في كل مرة يلتقي فيها الجاز بالموسيقى العربية، يقفز السؤال نفسه “هل نحن أمام تجربة حوار بين ثقافتين، أم أمام محاولة لإضفاء نكهة شرقية على موسيقى غربية؟ غير أن عازف البيانو والمؤلف اللبناني طارق يمني، في عرضه الذي احتضنه مسرح البحر ضمن الدورة العشرين من مهرجان طبرقة الدولي للجاز، اختار أن يتجاوز هذا السؤال برمته.
فلم يكن مشغولًا بإثبات إمكانية التعايش بين نمطين موسيقيين، وإنما بالبحث في تلك المنطقة العميقة التي تسبق التصنيفات، حيث تبدو الموسيقى تجربة إنسانية واحدة، تتغير مفرداتها لكنها تحتفظ بالمنطق ذاته.
منذ اللحظات الأولى، بدا واضحًا أن العرض لا يقوم على فكرة المزج كما شاع في كثير من التجارب الموسيقية المعاصرة. فالمزج، في معناه المباشر، يفترض وجود عنصرين منفصلين يجري جمعهما داخل عمل واحد. أما عند طارق يمني، فإن العلاقة بين الطرب والجاز لا تُبنى على هذا الفصل أصلًا.
إن هذه العلاقة تقوم على فرضية مختلفة هب أن الموسيقى العربية والجاز، رغم اختلاف سياقاتهما التاريخية، يشتركان في آليات داخلية متقاربة، وفي مفهوم متشابه للعزف والارتجال والزمن الموسيقي.
ومن هذا المنطلق، فتح بابا للتساؤل حول الكيفية التي تشكلت بها الهويات الموسيقية نفسها. فالجاز، الذي ولد في الولايات المتحدة من تفاعل ثقافات متعددة، يحمل في بنيته آثارًا إفريقية واضحة، مثلما تحمل الموسيقى العربية، بدورها، تاريخًا طويلًا من التداخل مع فضاءات المتوسط وإفريقيا وآسيا.
وما بدا متباعدًا في التصنيف، ظهر في العرض أقرب مما توحي به الخرائط الموسيقية التقليدية، وجاء التشكيل الثلاثي، المؤلف من البيانو والكونترباص والدرامز، ليؤكد هذا التصور.
فهذه الصيغة الكلاسيكية لم تشكل قيدا وإنما تحولت إلى فضاء مفتوح للحوار، لم يكن البيانو يحتل موقع البطولة، ولم يتعامل الكونترباص أو الدرامز مع نفسيهما باعتبارهما أدوات مرافقة، بل تشكلت العلاقة بين الآلات الثلاث على أساس التشارك.
كانت كل جملة موسيقية تنتظر جوابًا، وكل جواب يعيد صياغة السؤال، حتى بدا أن العرض يكتب نفسه لحظة بلحظة، لا وفق مخطط مغلق، وإنما وفق منطق الاكتشاف المستمر.
وهنا تتجلى إحدى أهم نقاط التقاء الجاز بالطرب، ففي الموسيقى العربية التقليدية، لا تتحدد قيمة الأداء بدقة الالتزام بالنص الموسيقي فقط، وإنما بقدرة المؤدي على تطوير الجملة، وإعادة بنائها، واستثمار الزمن لإنتاج أثر وجداني متصاعد. والجاز، بدوره، لا يعتبر الارتجال إضافة على العمل، بل باعتباره جوهره الحقيقي.
من هذه الزاوية، يصبح الارتجال فلسفة في التفكير بالموسيقى، وهو ما بدا حاضرًا بوضوح في أداء طارق يمني.
المقام العربي، في هذا العرض، لم يكن مادة تراثية يعاد تلوينها بهارمونيات الجاز، كما يحدث في كثير من المشاريع فقد تعامل يمني مع المقام باعتباره طريقة في بناء الزمن الموسيقي، وفي تنظيم التوتر والاسترخاء، وفي منح المستمع فرصة للتدرج داخل الفكرة بدل القفز السريع بين الجمل. لذلك لم تكن الموسيقى تبحث عن الإبهار، بقدر ما كانت تمنح نفسها الوقت الكافي حتى تتشكل، وكأنها تدعو الجمهور إلى الإصغاء بعيدا عن الاستهلاك السريع للصوت.
هذا البعد التأملي انعكس أيضًا على طريقة تعامل العازفين مع الصمت، ففي كثير من اللحظات، بدا الصمت جزءًا من التأليف نفسه، لا مجرد فراغ بين مقطعين.
كانت الوقفات القصيرة تمنح الجمل الموسيقية امتدادا داخليا، وهي خاصية تقترب من منطق الطرب، حيث لا تنبع قوة الأداء من كثافة الأصوات فقط، وإنما من القدرة على التحكم في الانتظار، وعلى بناء الترقب قبل الوصول إلى الذروة.
وكان البيانو في قلب هذه الرؤية، فعزف طارق يمني لم يعتمد على الاستعراض التقني، رغم امتلاكه أدوات تسمح بذلك، بل اختار الاقتصاد في الحركة، والتركيز على وضوح الفكرة الموسيقية.
كانت يده اليسرى تؤسس أرضية هارمونية مستقرة، بينما تنطلق اليد اليمنى في مسارات لحنية تستدعي المقام العربي، قبل أن تعود إلى مفردات الجاز الحديثة.
وفي الأثناء لا يشعر المستمع أنه ينتقل من موسيقى إلى أخرى، بل من احتمال داخل الموسيقى إلى احتمال آخر.
أما الكونترباص، فقد أدى دورا يتجاوز فكرة الإسناد الهارموني، إنه شريك في صناعة الخطاب الموسيقي، يرد على البيانو أحيانا، ويقوده أحيانا أخرى نحو اتجاهات غير متوقعة. وفي المقابل، لم يتعامل الدرامز مع الإيقاع باعتباره وظيفة زمنية فقط، بل باعتباره عنصرًا دراميًا يصنع الحركة الداخلية للمقطوعة. وبين الضربات الهادئة والانفجارات الإيقاعية، تشكلت ديناميكية حافظت على توتر العرض من بدايته حتى نهايته.
وإذا كانت الآلات الثلاث قد صنعت هذا الحوار على الركح، فإن الجمهور كان طرفًا رابعًا فيه. لم يكن حضوره سلبيًا، ولم يقتصر دوره على التصفيق في نهاية المقطوعات. فالصمت الذي خيم على المسرح في المقاطع الأكثر تأملًا، ثم التصفيق الذي كان يندلع بعد نهايات الارتجال، كشفا عن علاقة قائمة على الإصغاء الحقيقي.
وما اقترحه طارق بمني على ركح مهرجان الجاز بطبرقة لا يشير إلى هوية موسيقية جديدة، بقدر ما يبسط طريقة مختلفة في النظر إلى التاريخ الموسيقي. فبدل أن ينطلق من الحدود التي فصلت بين الأنماط، يبحث في الجذور التي ربطتها ببعضها. وبدل أن يجعل الجاز مركزا تستلهم منه بقية الموسيقات، يضعه في حوار متكافئ مع الطرب، باعتبارهما تجربتين تطورتا في سياقات مختلفة، لكنهما احتفظتا بقيم مشتركة، مثل الارتجال، والإنصات، والقدرة على تحويل الأداء إلى حدث لا يتكرر.
ولعل أكثر ما ميز هذا العرض أنه لم يكن معنيًا بإثبات الهوية العربية للموسيقى، ولا بالدفاع عنها، وإنما بإطلاقها نحو فضاءات جديدة. فالتراث، في تصور طارق يمني، ليس كتلة مغلقة ينبغي الحفاظ عليها كما هي، ولا مرجعًا مقدسًا يمنع مساءلته، بل مادة حية تستمد قيمتها من قابليتها لإعادة القراءة. لذلك جاءت الموسيقى وكأنها تعيد طرح أسئلة قديمة بلغة معاصرة، دون أن تقطع صلتها بالماضي أو تستسلم له.
في مسرح البحر، حيث يلتقي صوت الموج بإيقاع الموسيقى، شكل العرض مساحة لإعادة الإصغاء إلى الجاز خارج الصور النمطية، وإلى الطرب خارج الحنين، وإلى العلاقة بينهما خارج منطق المقارنة أو المفاضلة.
وربما في هذا تكمن القيمة الحقيقية لتجربة طارق يمني فهي لا تقترح شكلا جددًا للموسيقى فقط، بل تقترح أيضا طريقة جديدة لفهمها، باعتبارها ذاكرة تتحرك باستمرار، وتاريخا لا يكتمل إلا كلما وجد من يعيد سرده من زاوية أخرى.