في قليبية، ثمة ورشة مطلة على الميناء يحيا فيها فنان على إيقاع مغاير، أبطأ من العالم وأكثر عمقا منه.
خلف نوافذه المفتوحة على البحر، تعبر مراكب الصيد ذهابا وإيابا، فيما تتراكم داخل فضائه منحوتات ولوحات وقطع سيراميك وأحافير بحرية بعثها من جديد، كأن المكان ليس ورشة فحسب، بل مختبر تأمّل طويل في الزمن والحرية والذاكرة.
رؤوف قارة، الفنان التشكيلي والنحات، لا يشتغل كما يشتغل غيره، لا يسعى وراء شهرة، ولا يجري خلف استثمار يدرّ أرباحا، ما يفعله أصعب وأحلى، مقاومة هادئة ضد النسيان.
لقارة نظرة خاصة للحياة، يبصرها من زواياها الأكثر عمق، من شقوق الأرواح التي جبلت على الصبر، من البحارة والصيادين وكل إنسان يصل بين الخيطين الأبيض والأسود وهو يتأمل.
في حديثه بساطة آسرة تشدك إلى تفاصيل فلسفته التي تراوح بين الفكر والأثر والحرية وتنغمس بك في مساراته المتفردة التي أفضت إلى مشروع وضع فيه ماله وروحه.
بسيط في مظهره وحديثه ولكنه يأسرك بالصدق المتسرب من بين ثنايا كلماته والمترقرق في عينيه التي ترويان الكثير عن فنان اختار أن يخوض معركة من نوع آخر.
ليست معركة من أجل الشهرة، ولا سعياً وراء استثمار يدرّ الأرباح، بل مقاومة هادئة ضد النسيان، وضد فكرة أن الثقافة يمكن أن تصبح هامشاً في زمن يبتلع فيه السوق كل شيء.
في قلب المدينة، تقف “دار قارة للفنون” كعلامة على هذا الإصرار، ليست مجرد فضاء عرض، ولا متحفاً بالمعنى التقليدي، بل بيت ذاكرة وروح، سيحمل أثر حياة كاملة قضيت بين الرسم والنحت والسيراميك والبحث الجمالي، ويختزن في جدرانه أيضاً جزءاً من تاريخ الفن التشكيلي التونسي عبر إرث والده، الفنان الراحل محمود قارة.
حين تدخل المكان، لا تستقبلك فخامة مصطنعة، ولا بهرج معماري يتوسل الإدهاش السريع، كل شيء يبدو متقشفا، وهادئا، وكأنه ينتمي إلى زمن آخر، الجدران الخام، والأقواس، والفناء الداخلي، الضوء المتسلل برفق، وسط الأشغال التي لم تنته بعد فيما تستعيد “الدار العربي” وظيفتها الأولى، كونها فضاءً للعيش والتأمل معاً.
هنا لن ينفصل الفن عن الحياة اليومية، ولن تبدو الأعمال معزولة داخل قداسة متحف بارد، بل متجاورة مع الذاكرة، مع رائحة الطين والخشب والحجر، ومع أثر اليد التي صنعتها.
رؤوف قارة لا يتحدث عن مشروعه بوصفه “استثماراً ثقافياً”، رغم أن الكلمة تبدو الأكثر تداولاً اليوم، فهو يعرف جيداً أن ما قام به يتجاوز منطق الربح والخسارة.
ففي وقت تتجه فيه الرساميل نحو المشاريع المضمونة، اختار أن يضخ ماله الخاص في الثقافة، من دون دعم، ومن دون مؤسسة تقف خلفه.
ثمة شيء من العناد الجميل في حكايته، عناد الفنان الذي يرفض أن تتحول الأعمال الفنية إلى مجرد مقتنيات مبعثرة أو ذاكرة شخصية مغلقة.
لذلك لم يكتف بتجميع أعماله، بل سعى إلى خلق فضاء قادر على احتضان مختلف الفنون، مكان يمكن أن يتحول إلى نقطة لقاء بين الفنانين والباحثين والطلبة والزوار.
“دار قارة للفنون” لا تقدم نفسها كمتحف فردي، بل كمشروع ثقافي مفتوح على المستقبل، وعلى فكرة الاستمرارية تحديداً.
ولعل أكثر ما يلفت في حديث رؤوف قارة هو انشغاله بما سيحدث بعد رحيله، نادراً ما يفكر الفنانون في مصير أعمالهم خارج حياتهم الشخصية، أما هو فيبدو مشغولاً بفكرة الحفظ أكثر من الامتلاك.
يتساءل: من سيعتني بهذا المكان؟ من سيفهم روحه؟ وهل يمكن أن يتحول يوما إلى مؤسسة عمومية تحفظ هذا الإرث من الضياع؟
هو لا يرفض فكرة إهداء المتحف أو وهبه لوزارة الثقافة، لكن بشرط جوهري، هو أن يستمر المكان بنفس فلسفته، وأن يتولى الإشراف عليه أشخاص يفهمون الفن حقاً، لا مجرد إداريين يديرون المكان بوصفه ملفا بيروقراطيا.
بالنسبة إليه، المتحف ليس بناية فقط، بل رؤية كاملة، وإذا فقدت تلك الرؤية تحول كل شيء إلى جدران صامتة.
في حديثه أيضاً، يعود الامتنان دائماً إلى تونس، يقول ببساطة إن البلاد “درّسته”، وإن المدرسة العمومية، ومعهد الفنون الجميلة، صنعا جزءا كبيرا من مسيرته. لذلك يشعر اليوم بأنه مدين لها بشيء ما، وكأن إنشاء هذا المتحف محاولة لإعادة الجميل، ولردّ الدين الرمزي إلى المكان الذي منحه المعرفة والبداية.
لكن “دار قارة للفنون” لا تحفظ فقط تجربة رؤوف غارة، بل تحفظ أيضاً أثراً عائلياً وفنياً أوسع.
فاسم محمود غارة يحضر بقوة داخل المكان، لا بوصفه ذكرى عائلية فحسب، بل كجزء من تاريخ الفن التشكيلي التونسي.
هنا ستتجاور الأعمال، وتتقاطع الأجيال، ويصبح المتحف نوعاً من السيرة البصرية الممتدة، التي تحكي كيف يمكن للفن أن ينتقل من الأب إلى الابن، لا كحرفة، بل كطريقة في النظر إلى العالم.
وربما تكمن قوة هذا المشروع تحديداً في كونه لا يسعى إلى الإبهار بقدر دعوته إلى الإنصات التفاصيل الصغيرة التي تؤويها ورشته المطلة على ميناء قليبية كقطعة سيراميك تحمل أثر الأصابع، أو منحوتة تبدو كأنها خرجت من صخر البحر، أو لوحة تلتقط الضوء المتوسطي، أو زاوية داخلية تستعيد دفء البيوت القديمة.
في ورشته التي يتماهى فيها الخلق والفوضى يبدو رؤوف قارة كأنه يعيش على إيقاع آخر، أبطأ من العالم وأكثر عمقاً منه.
خلف النوافذ المفتوحة على البحر، تعبر مراكب الصيد ذهاباً وإياباً، فيما تتراكم داخل الفضاء أعمال نحتية ولوحات وقطع سيراميك وأحافير بحرية أعاد الفنان بعثها من جديد، كأن المكان ليس ورشة فقط، بل مختبر تأمل طويل في الزمن والحرية والذاكرة.
هناك، وسط رائحة الخشب والطين والملح، تتجلى أعمال تبدو وكأنها خرجت من أعماق المتوسط نفسه.
منحوتات تحمل خشونة الصخر، وأشكال تستعيد انسياب الأعشاب البحرية، ولوحات يتسرب إليها ضوء قليبية الهادئ، ذلك الضوء الذي لا يرسم البحر فقط، بل يرسم ما يختبئ خلفه أيضاً من الانتظار، والرحيل، والعلاقة الغامضة بين الإنسان والأفق.
رؤوف قارة لا يتعامل مع الفن كحرفة منفصلة عن الحياة، بل كطريقة كاملة للوجود، لهذا تبدو ورشته امتدادا مباشرا لفلسفته الجمالية، لا فائض في الأشياء، ولا زخرف، كل شيء موزون بهدوء، كأن الفنان يترك للأعمال أن تتنفس وحدها، حتى الصمت داخل المكان يبدو جزءاً من التكوين.
ثمة بطء واضح في تجربته، لكنه ليس بطء العجز أو التردد، بل بطء الفنان الذي يمنح الزمن حقه الكامل، فهو يعرف أن الأعمال العميقة لا تولد على عجل، وأن الفن الحقيقي يحتاج إلى إنصات طويل للأشياء
أعمال قارة تبدو كأنها ثمرة إقامة طويلة داخل المادة نفسها: داخل الحجر، والخشب، والطين، وداخل ذاكرة البحر أيضاً، ولعل هذا ما يفسر افتتانه بـ”البوسيدونيا”، تلك الأعشاب البحرية المتوسطية التي تتحول في تجربته إلى أكثر من مجرد عنصر طبيعي، إنها استعارة كاملة عن الزمن والتحول والاستمرار.
فكما تستقر جذاميرها في الأعماق لآلاف السنين قبل أن تتحجر وتصير أثراً، تبدو أعمال رؤوف قارة هي الأخرى محاولة لتثبيت ما يمر سريعاً، وإنقاذ الهشاشة من الزوال.
في الورشة، تتكدس بعض تلك الأحافير البحرية التي التقطها من الشاطئ وأعاد تركيبها داخل منحوتات وأعمال تشكيلية، فتغدو القطعة أشبه بحوار بين الطبيعة والفنان، بين ما صنعه البحر وما أكملته اليد البشرية.
في هذه الأعمال لا يفرض الفنان سلطته على المادة، بل يصغي إليها، يتتبع مساراتها القديمة، ويتركها تقوده نحو الشكل، وربما لهذا السبب تحمل أعماله دائماً شيئاً من الحرية.
حرية الطيور البحرية، وحرية المراكب التي تغادر الميناء بلا يقين، وحرية الفنان الذي اختار أن يظل وفياً لصوته الداخلي بعيداً عن الموضات العابرة.
في كثير من أعماله، تشعر وكأن النورس حاضر بشكل خفي كرمز للترحال والتأمل والعزلة الجميلة.
وتفرده لا يظهر فقط في ما تصنع يداه، بل في طريقته في العيش نفسها، فهو يشبه أولئك الفنانين الذين يبنون عالمهم الخاص ببطء وصبر، بعيداً عن الضجيج.
حتى مشروع “دار قارة للفنون” يحمل هذه الروح، فه ليس فضاء استعراض، بل مكان للتأمل والإنصات والحوار مع الفن.
كأن الرجل أراد أن يحوّل بيته وذاكرته وورشته إلى امتداد لفكرة واحدة وهي أن الفن يمكن أن يكون شكلاً من أشكال المقاومة الهادئة ضد القبح والسطحية والنسيان.
وحين تجلس في تلك الورشة المطلة على الميناء، فيما تتعالى أصوات النوارس وتمضي القوارب في الأفق، تدرك أن علاقة رؤوف قارة بالبحر ليست مجرد موضوع تشكيلي فالبحر فضاء للتفكير ومجاز دائم للحرية، وأن أعماله أشبه برسائل طويلة كتبها فنان اختار أن يحاور الزمن لا أن يسبقه.
في زمن تتحول فيه الثقافة أحياناً إلى حدث سريع للاستهلاك، تبدو “دار قارة للفنون” فعلاً بطيئاً ومقاوماً، مقاومة ضد الزوال، وضد النسيان، وضد فكرة أن الفن رفاه يمكن الاستغناء عنه.
وربما لهذا السبب تحديداً يبدو المشروع أكبر من مجرد متحف شخصي؛ إنه محاولة لإنقاذ جزء من الذاكرة التونسية، ووضعه في متناول المستقبل.








