لم تكن الحركة اعتيادية صباح هذا الأحد أمام مقر معتمدية القلعة الكبرى، هذه البناية الواقعة في أعلى نقطة من هذه المدينة وفي قلبها تماما. فمع انطلاق الساعات الأولى للصباح بدأ السكان يتوافدون شيئا فشيئا على القافلة الصحية متعددة الاختصاصات التي نظمتها الجمعية التونسية للتطوع فرع القلعة بالتعاون مع مستشفى الحبيب بيار بالقلعة الكبرى وتحت اشراف الإدارة الجهوية للصحة.

محمد الناصر العكروت، رئيس الجمعية التونسية للتطوع فرع القلعة الكبرى
تحولت الساحة الشاسعة الواقعة أمام مقر المعتمدية وكذلك أمام مقر الصوناد البريد التونسي والمكتبة العمومية حيث انتصبت العديد من الخيام وقد تم التأشير على مداخلها اسم الاختصاص الطبي الذي سيتم تأمينه داخلها الى خلية نحل. شبان وشابات يافعين يتنقلون بخطى حثيثة بين الخيام في تقاسم دقيق للأدوار حيث كان كل منهم على علم بالعهدة المنوطة به. م
ما إن تطأ قدم المقبلين على هذه القافلة الفضاء المخصص حتى يستقبله عدد من المتطوعات بابتسامة تعلو محياهن ويطالبنه بالتسجيل وانتظار دوره. أما الحاضرون فقد انشغل بعضهم في محادثات جانبية فيما فضل الآخرون القيام بجولة استكشافية للاطلاع على مختلف العياديات التي تم تأمينها بهذه المناسبة.
خمسون اطارا طبيا وشبه طبي و400 منتفع
يقول محمد الناصر العكروت، رئيس الجمعية المنظِّمة إن “هذه القافلة تضم 15 اختصاصا طبيا مثل طب العظام والأسنان والكلى والمفاصل والأطفال والجراحة العامة والطب الباطني وغيرها”. وبحسب العكروت تعتبر هذه القافلة تتويجا لسنة ونصف من العمل الدؤوب منذ تأسيس الجمعية حيث كان التركيز بداية “على اختصاصات معينة” قبل أن يقع إنجاز هذه القافلة التي استقطبت أكثر من 50 اطارا طبيا وشبه طبي قدموا خدمات مختلفة انتفع بها أكثر من 400 مواطن. كما أشار محمد الناصر العكروت أن الجمعية “تقدم خدماتها في مختلف الاختصاصات حيث أمنت تنظيم العديد من التظاهرات الرياضية والثقافية والصحية وغيرها” وذلك بفضل إقبال عدد هام من أبناء الجهة خصوصا من الشباب التلاميذ والطلبة على هذا النشاط التطوّعي خدمة للجهة ولرقيّها. ولم يفت العكروت التنويه بالمجهودات التي تقوم بها السللط المحلية في تسهيل مهمة الجمعية للقيام بمثل هذه الأنشطة مثمنا كذلك دور بعض الداعمين الأوفياء للجمعية من الذين يقدمون المساعدات العينية حسب الحاجة وحسب طبيعة النشاط.

الدكتورة نهى دمّق والدكتورة سهام جنانة
وفي هذا السياق أشارت الدكتورة سهام جنانة، رئيسة الدائرة الصحية بالقلعة الكبرى “دعم الوحدة المتواصل لمثل هذه الأنشطة” خصوصا أنها كانت قد شاركت سابقا في تظاهرات مماثلة نظمتها الجمعية نفسها. وأضافت بن جنانة أن “الإقبال على هذه العيادات عادة ما يكون كبيرا”.
أما الدكتورة نهى دمق، طبيبة جراحة عامة بالمستشفى الجامعي سهلول إن مشاركتها في هذه القافلة “تندرج في إطار تقريب الخدمات الطبية للمريض من جهة ومن جهة أخرى تمكينهم من العلاج المجاني خصوصا ان هناك من تعوزه الإمكانيات المادية للعلاج”, واعتبرت دمق أن إقبال المرضى على هذه العيادات يمكنهم من “معرفة طبيعة الأمراض التي يعانون منها وبالتالي امكانية توجيههم نحو الاختصاص اللازم”. كما دعت الدكتورة نهى دمق بقية الأطباء سواء في القطاع الخاص أو العام إلى “الانخراط في مثل هذه المبادرات الانسانية لتقديم المساعدة الطبية للمواطنين”.
تقصي الأمراض لدى المسنين والتدخل بصفة استباقية
ولعل ما يمكن ملاحظته الإقبال الكبير لشريحة المسنين على هذه القافلة الصحية حيث انتشر هؤلاء من الجنسين بين الاقسام الطبية خصوصا المرتبطة بهذه الفئة العمرية مثل أمراض القلب والدم والسكر وغيرها. وقد لاقى هؤلاء المسنين العناية اللازمة من قبل المنظمين ومعظمهم من الشباب حيث فاق عددهم 150 متطوعا وكانوا يوجهونهم ويرافقونهم ويمدون لهم يد العون حتى بلوغ العيادات الطبية ومقابلة الأطباء ومن ثَمّ مرافقتهم عند الخروج.


عامر بالرجب ومحمد بن سعد
وقد لاقت هذه المعاملة الراقية استحسان العديد من المنتفعين بهذه القافلة من ذلك عامر بالرجب، ناشط بالمجتمع المدني، الذي أثنى على هذه المبادرة ودعا الى “أن يكون تنظيم هذه التظاهرات بصفة دورية ومتواصلة طيلة السنة لتمكين أكبر عدد ممكن من المواطنين من المتابعة الطبية”.
ومن بين المنتفعين بهذه الخدمات الطبية المجانية والسريعة أيضا محمد بن سعد، وهو وال سابقا وناشط سياسي، حيث عبر عن انبهاره بعدد المشاركين في هذه القافلة لا من حيث الساهرين عليها فحسب بل أيضا من حيث عدد “المنتفعين من مختلف الشرائح العمرية” وهو ما يعكس في نظره “رغبة المتهاونين في متابعة حالتهم الصحية على حقيقة أوضاعهم” وهو ما يجنبهم لاحقا مضاعفات خطيرة.

الدكتور جوهر ساسي
وفي ما يتعلّق بالجانب التثقيفي والتحسيسي الإقبال على مثل هذه العيادات أو التعامل مع العلاج المقدم، أكد الدكتور جوهر ساسي، طبيب صحة عمومية بمركز الصحة الأساسية بالقلعة الكبرى، على أهمية هذا الجانب خصوصا لدى كبار السن حيث أشار في هذا السياق إلى “رفض بعض المرضى من هذه الفئة العمرية تناول بعض الأدوية الخصوصية مما قد يتسبب في مضاعفات خطيرة على بقية وظائف الجسم”.
وعن مختلف الأمراض التي تم تقصيها خلال هذه التظاهرة، أشار الدكتور أنيس المزابي، أستاذ جامعي في الطب الباطني وأم

الدكتور أنيس المزابي
راض الشيخوخة بكلية الطب بسوسة ، إلى تفشي العديد من الأمراض المزمنة مثل السكري وضغط الدم وأمراض المفاصل و متلازمة القولون العصبي.
وحذر الدكتور المزابي من مغبة إهمال الرعاية الصحة للمسنين حيث أكد على ضرورة إيلاء هذا الموضوع الأهمية التي تستحق خصوصا أمام حالة التهرم السكاني الذي تعيشه بلادنا.
وفي هذا الصدد دعا المزابي الى الزامية “تقصي الأمراض لدى المسنين خصوصا في ما يتعلق بمرض الزهايمر وسوء التغذية والتدخل بصفة استباقية لتفادي التعقيدات والمضاعفات المترتبة عن هذا الإهمال”.
لعلّ ما ميّز هذا النشاط المدني والطبي التطوعي الذي تواصل الى حدود الواحدة بعد الزوال هو تلقائية وعفوية واستماتة كل المشاركين في انجاح هذه التظاهرة وترك انطباع طيب لدى أهالي الجهة يعكس الصورة الحقيقية للعاملين في القطاع الصحي ومدى التزامهم بالرسالة الانسانية التي يحملونها بعيدا عن الكليشيهات و حملات الشيطنة والتشكيك التي ما فتئ البعض يقودها من أجل تثبيط العزائم وخلق الفجوة بين المواطن والمنظومة الصحية العمومية التي تبقى الملاذ الأول لمعظم فئات الشعب التونسي.