كانّ_لم يكن ظهور بيدرو ألمودوفار في المؤتمر الصحافي لفيلمه الجديد”Bitter Christmas” مجرّد محطة ترويجية داخل مهرجان “كانّ”، بل بدا أقرب إلى إعلان موقف أخلاقي وسياسي من عالم يشعر المخرج الإسباني أنّه ينزلق أكثر فأكثر نحو الخوف والصمت والتطبيع مع العنف.
فألمودوفار، الذي لطالما ارتبط اسمه بسينما الرغبة والهويات الهشّة والأجساد الخارجة عن القوالب، عاد هذه المرّة ليتحدث بلهجة أقل شاعرية وأكثر مباشرة، واضعًا الفن في مواجهة سؤال المسؤولية.
ما يلفت في تصريحاته ليس فقط حدّة الهجوم على دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو وفلاديمير بوتين، بل أيضًا نقده الضمني للوسط الفني نفسه. إذ بدا وكأنه يقول إن الخطر لا يكمن فقط في صعود “الوحوش السياسية”، بل كذلك في تراجع قدرة الفنانين على المجاهرة بمواقفهم خوفًا من الخسارة أو العزل أو حملات التشويه. هنا يتحوّل الصمت، في نظره، من حياد إلى شكل من أشكال التواطؤ.
حديث ألمودوفار عن أوروبا يحمل بدوره دلالة عميقة، خاصة في سياق التحولات السياسية التي تشهدها القارة من صعود اليمين المتطرف، وتشدد السياسات الحدودية، والانقسام المتزايد حول الحرب في غزة والعلاقة مع الولايات المتحدة.
حين يدعو أوروبا إلى أن تكون “حائط صد”، فهو يستعيد فكرة أوروبا بوصفها مشروعًا ثقافيًا وإنسانيًا، لا مجرد تكتل اقتصادي أو عسكري. أي أوروبا التي وُلدت بعد الحرب العالمية الثانية على وعد مقاومة الفاشية وحماية الكرامة الإنسانية.
لكن اللافت أيضًا أنّ المخرج الإسباني لا يتحدث من موقع الناشط السياسي التقليدي، بل من موقع الفنان الذي يرى أن السينما نفسها مهددة عندما يصبح الخوف من الموقف أقوى من الحاجة إلى التعبير.
ولهذا فإن كلماته داخل “كانّ” تحمل رمزية خاصة، لأن المهرجان الفرنسي ظل تاريخيًا فضاءً تتقاطع فيه السينما مع السياسة، من احتجاجات 1968 إلى المواقف المناهضة للحروب والاستبداد.
وفي تخصيصه نتنياهو بالذكر، ينسجم ألمودوفار مع موجة متزايدة داخل الأوساط الثقافية الأوروبية الرافضة للحرب على غزة، وهي موجة لم تعد تكتفي بالدعوات الإنسانية العامة، بل باتت تسمي المسؤولين السياسيين مباشرة. وهذا التحول يكشف أن جزءًا من الفنانين الأوروبيين بدأ يشعر بأن اللغة الدبلوماسية الناعمة لم تعد كافية أمام حجم المأساة.
أما استحضاره لترمب، فلا يتعلق فقط بالرئيس الأميركي كشخصية سياسية، بل بما يمثله من صعود خطاب شعبوي قائم على القومية والانغلاق وصناعة العدو. لذلك يضعه ألمودوفار ضمن مشهد عالمي أوسع يرى فيه الديمقراطيات الليبرالية مهددة من الداخل، سواء عبر التطرف السياسي أو عبر ثقافة الخوف التي تدفع المثقفين إلى الانكفاء.
وتصريحات ألمودوفار تكشف عن عودة سؤال قديم إلى قلب “كانّ” هو هل تستطيع السينما أن تبقى مساحة مقاومة أخلاقية، أم أنها تتحول تدريجيًا إلى صناعة تخشى خسارة السوق أكثر مما تخشى خسارة ضميرها؟
ومن الواضح أن المخرج الإسباني اختار موقعه بوضوح، فالفن، بالنسبة إليه، لا يتقاطع مع رفاهية الصمت.