كانّ_في لحظة أبعد من إعلان إسم الفائز بجائزة الإخراج، اختار المخرج الكندي كزافييه دولان أن يمنح المنصّة صوتاً آخر، هو صوت محمود درويش.
لم يكن الأمر اقتباساً عابراً داخل احتفال سينمائي، بل بدا كأنّ الشاعر الفلسطيني تسلّل إلى القاعة ليذكّر الجميع بأنّ الفن، في جوهره، ليس صناعة صور فقط، بل محاولة دائمة لإنقاذ ما يستحقّ الحياة من الخراب.
دولان، المدعو لتسليم جائزة الإخراج، توقّف قبل إعلان الفائزين ليتلو مقطعاً من قصيدة درويش الشهيرة “على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة”.
في تلك اللحظة، تغيّر إيقاع القاعة وحلّت نبرة تأمّل نادرة، وكأن كل الأنظار حادت عن الأضواء والسجاد الأحمر واتجهت إلى حيث باتت سيول الدماء جزءا من اليومي.
“على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة: تردّد أبريل، رائحة الخبز في الفجر، آراء امرأة في الرجال، كتابات إسخيلوس، بداية الحب، العشب على حجر، أمهات يقفن على خيط ناي، والخوف الذي يثيره الحنين في قلوب الغزاة”.
تلا دولان كلمات القصيدة وحينما سمة شاعرها علا التصفيق في القاعة ، فهذه الحروف لا تأتي في سياق فلسطيني فحسب بل هي استعارة كبرى للفقد والمنفى والرغبة المستحيلة في العودة.
الأرض هنا ليست جغرافيا فحسب، بل ذاكرة وهوية وحقّ في الحلم. وربما لهذا السبب تحديداً اختارها دولان، في زمنٍ تبدو فيه الصور أكثر وفرة من المعنى، والحروب أكثر قدرة على ابتلاع اللغة نفسها.
ثم أضاف المخرج الكندي جملة بدت كأنها امتداد مباشر لقصيدة درويش “من خلال الإخراج، يحاول السينمائيون توسيع الأرض، ووضع ما يستحقّ الحياة في صورة”.
بهذه العبارات، اختصر دولان واحدة من أعمق وظائف السينما. فالمخرج، في النهاية، لا يصنع فيلماً فقط، بل يعيد ترتيب العالم داخل فضاء، يمنح الهامشي مكاناً في الضوء، ويقاوم النسيان عبر الصورة. السينما، بهذا المعنى، ليست ترفاً جمالياً، بل شكل من أشكال الدفاع عن الذاكرة الإنسانية.
ولعلّ اللافت أنّ هذه اللحظة جاءت في مهرجان تتسرّب فيه السياسة أكثر فأكثر إلى قلب الخطاب الفني.
خلال السنوات الأخيرة، تحوّلت منصّات المهرجانات الكبرى إلى فضاءات للتعبير عن القلق الأخلاقي تجاه العالم، تجاه الحرب، والإبادة، والصمت، والخوف، والمنفى.
وسط كل ذلك لا يمكن للفنانين الاكتفاء بالحديث عن الكاميرا والإضاءة فقط، بينما العالم ينهار خارج القاعات.
وبعد إعلان جائزة الإخراج مناصفة بين الثنائي الإسباني “لوس خافيس” عن فيلم La Bola Negra (الكرة السوداء) والبولندي بافيل بافليكوفيسكي عن Fatherland (أرض الأجداد).
ولكنّ اللحظة الأشدّ تأثيراً في الحفل كانت استحضار محمود درويش نفسه؛ ذلك الشاعر الذي ما زال قادراً، حتى بعد رحيله، على اقتحام أكثر المساحات بريقاً ويذكّرنا بضرورة الدفاع عن كل ما يستحق الحياة.