526
بقلم رانيا الحمامي*
خبر مؤلم هزّ الأوساط المهنية والهندسية منذ أيام, حيث تلقت الأسرة الهندسية في تونس وخارجها خبر وفاة المهندس المدني مرشد بالي إثر حادث مرور خلال أداء مهامه في دولة مالي، وتأخر وصول الإسعافات بسبب عزلة مكان المشروع الذي كان يشرف عليه. رحل المغفور له مرشد بالي وهو في قلب الميدان، كما عاش دائما، مرتبطا بمهنته ملتزما برسالته، تاركا وراءه سيرة مشرفة ومسيرة حافلة بالإنجازات.
رحيل بالي لا يعدّ مجرد فقدان مهندس تونسي خارج أرض الوطن خلال تأدية واجب مهني، بل خسارة لرجل كرّس أكثر من أربعة عقود من حياته لخدمة بنية تحتية لمشاريع المياه والتنمية في تونس والقارة الإفريقية. فمنذ بداياته في المؤسسة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه بتونس، إلى إشرافه على مشاريع كبرى في عدد هام من دول افريقية مثل كوت ديفوار وتشاد والغابون وبوركينا فاسو ومالي، ظل بالي يجسّد صورة المهندس الميداني الملتزم، الذي يربط بين الكفاءة التقنية والرسالة الإنسانية.
تخرج الفقيد من المدرسة الوطنية للطرق والجسور في موسكو سنة 1981 وتحصل على شهادة وطنية معادلة في الهندسة المدنية بدرجة ماجيستر. ومنذ عودته إلى الوطن انخرط بجدية في تشييد المنشاءات التابعة لمؤسسة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (SONEDE) أين اشتغل خطة رئيس دائرة الهندسة المدنية للوسط والجنوب، و أمضى أكثر من ثلاثين سنة من العطاء ارتقى خلالها من مهندس رئيس إلى مدير مشاريع كبرى.
خلال تلك العقود، أشرف على مشاريع استراتيجية في تونس الكبرى والساحل وصفاقس ونابل والوسط والجنوب التونسي، فكان وراء انشاء بناءات ومقرات تابعة للشركة وتشييد خزانات بسعات ضخمة وإنجاز محطات معالجة مياه خام تجاوزت طاقتها 500 ألف متر مكعب يوميا ومحطات ضخ وٱبار عميقة ومد شبكات أنابيب مائية امتدت لعشرات الكيلومترات، مساهما في تغيير حياة مئات الآلاف من التونسيين. كما كان خبيرا في إعادة تأهيل المنشآت ومكونا في الصفقات العمومية وأستاذا محاضرا متعاونا بالمدرسة الوطنية للمهندسين بتونس.
في كوت ديفوار أشرف على واحد من أهم المشاريع المائية في العاصمة الاقتصادية أبيدجان وضواحيها، وهو مشروع استراتيجي ساهم في تعزيز البنية التحتية وتوسيع دائرة الانتفاع بخدمات المياه بتمويل من البنك الأوروبي للاستثمار. وفي الغابون كان له حضور بارز في ليبرفيل، حيث قاد برنامجا لإعادة تأهيل وبناء المنشآت وتطوير الشبكات المائية الحضرية، وهو ما انعكس مباشرة على حياة السكان. أما في تشاد، فقد ارتبط اسمه بعدة مبادرات ذات طابع إنساني وتنموي، من بينها انجاز وحدات إنتاج مائية تعمل بالطاقة الشمسية وربط مئات الكيلومترات من الشبكات وتركيز مضخات يدوية ومرافق صحية في المناطق الريفية النائية لدعم الاستقرار وتحسين ظروف العيش، ما جعل بصمته هناك عميقة على المستويين الاجتماعي والاقتصادي. وفي بوركينا فاسو أشرف على تدخلات ميدانية واسعة شملت منطقة كايا وما جاورها، حيث ساهم في تعزيز الأمن المائي لما يزيد على 25 مركزا ريفيا كان يعاني من الهشاشة. وكانت مالي آخر محطاته، إذ واصل هناك أداء مهامه في ظروف صعبة، قبل أن يرحل بحادث خلال مهمة ميدانية.
كان الراحل يتميز بالصرامة والدقة والكفاءة العالية في ميدان الهندسة المدنية والمنشاءات المائية. عمل مع أكبر الممولين الدوليين من البنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية والاتحاد الأوروبي إلى البنك الأوروبي للاستثمار والصندوق الكويتي، وأدار مشاريع بموازنات بعشرات ملايين الاوروات.
رحيل مرشد بالي المأساوي يكشف وجها آخر من التهميش الذي يعيشه المهندس التونسي. فالمهندسون في بلادنا يُدفعون إلى الهجرة بحثا عن التقدير، لكن في حالة الراحل فالتهميش كان له أيضا شكل اخر، إذ مرت وفاته مرور الكرام دون نعي رسمي من المؤسسة الوطنية التي خدمها لعقود، ولا من عمادة المهندسين التي كان جزءا منها.
إن فقدانه ليس مجرد حدث عابر، بل جرس إنذار حول قيمة كفاءاتنا وواجب الاعتراف بها ان كانت على قيد الحياة أو فارقتها، خاصة حين تكون قد خدمت تونس لعقود ومثلت الوطن خير تمثيل في الخارج وأسهمت في بناء صورتها بأعمال ملموسة أثرت في حياة الملايين.
إن فقدانه ليس مجرد حدث عابر، بل جرس إنذار حول قيمة كفاءاتنا وواجب الاعتراف بها ان كانت على قيد الحياة أو فارقتها، خاصة حين تكون قد خدمت تونس لعقود ومثلت الوطن خير تمثيل في الخارج وأسهمت في بناء صورتها بأعمال ملموسة أثرت في حياة الملايين.
* مهندسة مدنية وروائية