بقلم أيمن اليزيدي
في بعض الأحيان، لا تبدأ قصص القادة من قصور الحكم، ولا من عائلات النفوذ، بل من البيوت الفقيرة التي تكافح من أجل تأمين أبسط متطلبات العيش. هناك، حيث يبدو المستقبل امتدادًا للبؤس، تتشكل تجارب إنسانية قد تتحول، مع الزمن، إلى مسارات سياسية تتجاوز أصحابها لتلامس تاريخ المجتمعات بأكملها.
تلك هي قصة لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي وُلد سنة 1945 في شمال شرقي البرازيل، في أسرة متواضعة عانت الفقر والتفاوت الاجتماعي. ولم تكن طفولته سهلة؛ فقد غادر والده الأسرة بحثًا عن العمل، قبل أن يتبيّن أنه ترك عائلته وأسّس أسرة أخرى، لتجد والدته المكافحة، دونا ليندو، نفسها أمام مسؤولية إعالة أبنائها في ظروف قاسية. وبين الفقر والهجرة بحثًا عن حياة أفضل، اضطر لولا مبكرًا إلى العمل والمساهمة في إعالة أسرته، قبل أن تقوده تجربته المهنية إلى المصانع المعدنية، حيث عايش عن قرب ظروف الطبقة العاملة وتحدياتها اليومية.
من هذه البيئة، بدأ مساره نحو العمل النقابي، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز وجوه الحركة العمالية واليسار السياسي في أمريكا اللاتينية، وصولًا إلى رئاسة البرازيل. لكن أهمية تجربة لولا لا تكمن في الانتقال من الفقر إلى السلطة فحسب، بل في كيفية تحويل المعاناة الفردية إلى فعل جماعي، والمطالب العمالية إلى مشروع سياسي قادر على المنافسة والحكم.
ومن هنا، تتجاوز قصته حدود السيرة الشخصية لتفتح بابًا للتفكير في أسئلة أوسع، عنوانها ; كيف يمكن للتنظيم الاجتماعي أن يصنع التغيير السياسي؟ وكيف يمكن بناء مشروع يربط بين العدالة الاجتماعية والديمقراطية، ويحوّل المطالب الشعبية إلى سياسات ملموسة؟
من الاحتجاج إلى بناء القوة السياسية
تشكّلت تجربة لولا في سياق اجتماعي وسياسي معقد، حيث انتقل من العمل الصناعي والنشاط النقابي إلى قيادة حركة سياسية أوسع. وفي ظل الحكم العسكري في البرازيل، برز دوره النقابي من خلال الدفاع عن العمال وحقوقهم، قبل أن يساهم سنة 1980 في تأسيس حزب العمال، الذي مثّل محاولة لتنظيم المطالب الاجتماعية داخل إطار سياسي قادر على خوض الانتخابات والمنافسة على السلطة.
لم يكن هذا الانتقال سهلًا أو سريعًا. فقد خسر لولا الانتخابات الرئاسية في أعوام 1989 و1994 و1998، لكنه لم يتعامل مع الهزائم كونها نهاية للمشروع السياسي. بل اتّجه إلى توسيع قاعدته الاجتماعية، ومراجعة خطابه، وبناء التحالفات الضرورية للوصول إلى الحكم.، مستفيدا من نصيحته رفيقه فيدال كاسترو.
توضح بشكل جليّ هذه المرحلة عن أحد أهم دروس التجربة، إذ لا يكفي أن يمتلك اليسار خطابًا نقديًا للواقع؛ بل يحتاج أيضًا إلى تنظيم اجتماعي متجذر، واستراتيجية سياسية قابلة للتطور، وقدرة على تحويل المطالب إلى سياسات عامة.
العدالة الاجتماعية داخل معادلة الحكم
عندما وصل لولا إلى الرئاسة سنة 2003، واجه تحديًا يتجاوز الفوز الانتخابي, كيف يمكن تحويل الوعود الاجتماعية إلى نتائج ملموسة داخل نظام تحكمه مصالح اقتصادية ومؤسسات سياسية وإرث طويل من التفاوت الاجتماعي !!
اعتمدت حكومته برامج اجتماعية، من أبرزها برنامج “بولسا فاميليا” للتحويلات المالية المشروطة، الذي استهدف دعم الأسر محدودة الدخل وتحسين أوضاعها. وقد ساهمت هذه السياسات في توسيع الحماية الاجتماعية وتعزيز حضور الفئات الشعبية في أولويات العمل الحكومي.
لكن التجربة لم تكن خالية من التناقضات والأزمات، بما في ذلك افتعال ملفات فساد والصراعات السياسية والقضائية التي طالت لولا وحزبه. لذلك، لا ينبغي قراءتها باعتبارها كقصة نجاح مكتملة أو مسارًا خاليًا من الإخفاقات، بل تجربة أظهرت إمكانات الحكم الاجتماعي وحدوده، والتوتر الدائم بين الالتزامات الأيديولوجية ومتطلبات إدارة الدولة.
السياسة بوصفها تعلّمًا وتكيّفًا
تبرز أهمية تجربة لولا أيضًا في قدرته على التحرك داخل بيئة سياسية معقدة، تتداخل فيها المؤسسات المنتخبة مع المصالح الاقتصادية وإرث المؤسسة العسكرية ونفوذها. فقد تطلب الوصول إلى الحكم بناء تحالفات، والتفاوض مع قوى لا تتطابق بالضرورة مع المشروع اليساري، والتعامل مع موازين قوى لا يمكن تغييرها بمجرد إعلان المواقف المبدئية، لعل أولاها، تعيين نائب له رجل الأعمال والسياسي المعروف جيرالدو ألكمين.
ولا يعني ذلك أن البراغماتية السياسية تبرر التخلي عن المبادئ، بل إن التحدي يكمن في التمييز بين التكيف الضروري لإنجاز الإصلاحات والتنازل الذي يفرغ المشروع من مضمونه. فالتحالفات قد توسع إمكانات التغيير، لكنها قد تفرض أيضًا حدودًا على السياسات الممكنة.
ومن هنا، فإن أحد دروس التجربة يتمثل في أن النجاح السياسي لا يقوم على ثبات الخطاب وحده، بل على القدرة على مراجعة الأدوات، والتعلم من الهزائم، والحفاظ على الصلة بين التنظيم السياسي والفئات التي يدّعي تمثيلها.
ماذا تعني تجربة لولا لليسار العربي؟
تختلف السياقات العربية عن التجربة البرازيلية في طبيعة الأنظمة السياسية، ومسارات بناء المؤسسات، وشروط العمل الحزبي والنقابي. لذلك، لا يمكن نقل التجربة كما هي، ولا اختزالها في وصفة انتخابية تضمن الوصول إلى السلطة.
لكنها تفتح سؤالًا ضروريًا أمام اليسار العربي.. سؤال في العمق; كيف يمكن تجديد مشروع سياسي يؤمن بالعدالة الاجتماعية، من دون التضحية بالحريات والديمقراطية؟ وكيف يمكن الانتقال من المواقف الاحتجاجية أو استعادة التجارب التاريخية إلى بناء قوة اجتماعية وسياسية قادرة على التأثير في السياسات العامة؟
واجهت قوى يسارية عربية القمع والتضييق، فيما اختارت تيارات أخرى، في بعض السياقات، التقارب مع سلطات استبدادية بدعوى مواجهة خصوم أيديولوجيين. وقد ساهمت مثل هذه الخيارات في طرح أسئلة عميقة حول استقلالية اليسار، وعلاقته بالديمقراطية، ومدى قدرته على الحفاظ على مبادئه حين تتعارض مع الحسابات السياسية الآنية.
ولا تنحصر المسألة في إصدار أحكام عامة على تجارب متباينة، بل في إعادة التفكير في أدوات العمل السياسي، وفي العلاقة بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وفي قدرة اليسار على مخاطبة انشغالات الناس اليومية: التشغيل، والبطالة، والخدمات العامة، وتفاوت الفرص، والكرامة الإنسانية.
نحو رؤية ممكنة للعدالة الاجتماعية والديمقراطية
إن التوقف عند تجربة لولا لا ينبغي أن يقود إلى تمجيد الشخص أو استنساخ النموذج البرازيلي، بل إلى مساءلة الخيارات السياسية والفكرية لليسار العربي، والبحث عن صيغ جديدة للعمل في سياقات شديدة التعقيد.
ويقتضي ذلك تجاوز الانغلاق الأيديولوجي، وتجديد الخطاب، وبناء روابط فعلية مع الفئات الاجتماعية المتضررة من التفاوت، وتطوير برامج واقعية تستجيب لحاجاتها، مع الدفاع عن استقلالية التنظيمات السياسية والنقابية وعن المؤسسات الديمقراطية والحريات العامة.
فالتحدي ليس الاختيار بين العدالة الاجتماعية والديمقراطية، كما لو كانتا مسارين متعارضين؛ بل بناء مشروع يجعل منهما ركيزتين متكاملتين للتغيير. وتذكّرنا تجربة لولا بأن التحول السياسي لا يتحقق بالشعارات وحدها، وإنما يحتاج إلى تنظيم طويل النفس، واستراتيجية قابلة للمراجعة، وقدرة على التعلم من الإخفاقات.
في عالم عربي تتراجع فيه الثقة في قوى سياسية تقليدية، كما في المؤسسات ذاتها، قد تكون تجربة لولا فرصة للتوقف والتفكير في أسئلة جديدة: أي يسار نحتاج؟ وما القوى الاجتماعية التي يستطيع تمثيلها؟ وكيف يمكنه أن يجعل الديمقراطية ممكنة والعدالة الاجتماعية هدفًا قابلًا للتحقق، لا مجرد وعد مؤجل؟