هناك لحظات لا تحتاج إلى كثير من الكلام كي تهزّ القلب… يكفي أن تسمع صوتا مكسورا وهو ينادي أخاه “يا وخي خويا.. يا وخي خويا”
خرجت العبارة من فم شاب وجد أخاه بهيئة لا ينبغي للأخ أن يجد بها أخاه، في عرض البحر، بعد أن كان يبحث عنه بين المفقودين.
مرتجفة، عارية من أي سفسطة، بدت الكلمات نفسها وكأنها لم تجد طريقا آخر للخروج من قلب اصطدم بما لا يستطيع القلب احتماله.
في لحظة واحدة، اختصر شاب من بن قردان حكاية طويلة لا تحتاج إلى كثير من الشرح.
“يا وخي”… نداء الدم، “خويا”… اعتراف القلب بأن الذي أمامه ليس غريبا، ليس رقما في قائمة ضحايا، وليس واحدا من الذين ابتلعهم البحر ثم أضافهم الخبر إلى حصيلة الغرق.
إنه أخوه، ذلك الذي ربما خرج من البيت وفي باله موعد آخر مع الحياة، فإذا بالموعد الأخير يكون مع البحر.
ذلك الذي ربما ترك خلفه أما قالت له “رد بالك على روحك”، وأبًا حاول أن يخفي خوفه، وإخوة لم يخطر في بالهم أن تكون آخر صورة له في ذاكرتهم مرتبطة بقارب، أو موجة، أو خبر عاجل.
ثم انقطع كل شيء، وبقي البحر، البحر الذي طالما كان جزءا من ذاكرة الجنوب، ونافذة على الأفق، ومصدر رزق، وفضاء مفتوحا للرحيل والعودة، صار فجأة مكانا للبحث عن الأبناء.
يبحث البحارة عن المفقودين، وتخرج العائلات خلف الأمل، رغم أنها تعرف أن الأمل في مثل هذه اللحظات يمشي حافيا فوق الخوف.
كل واحد يبحث عن وجه يعرفه، عن اسم، عن أخ، عن ابن، عن شخص غادر اليابسة حيًا، ثم صار البحر وحده يعرف أين انتهت حكايته.
وتتجاوز الهجرة غير النظامية الملف، و الظاهرة، والأرقام التي تتكرر في نشرات الأخبار، لتصبح سؤالا إنسانيا مفتوحا على وجع لا يراه من يقف بعيدا عن البحر.
لأن الشاب الذي يصعد إلى القارب يحمل معه وجه أمه، وقلق أبيه، وأحلامه الصغيرة، وربما خيبة سنوات كاملة، يصعد لأنه يريد أن يعيش.
وهذه هي المفارقة الأكثر قسوة، أن يقود البحث عن الحياة إلى قوارب الموت، أن يصبح البحر، الذي يفصل بين ضفتين، فاصلاً بين الحياة والموت.
أن يضع شاب مستقبله في قارب يعرف هشاشته، فقط لأن اليابسة لم تعد تقنعه بأن المستقبل ممكن فيها.
ثم يحدث ما لا ينبغي أن يحدث، ينقلب القارب، تتبعثر الأجساد والأحلام، وتتسع المسافة بين من ينتظرون على الشاطئ ومن صاروا في قاع الحكاية.
وتبدأ رحلة أخرى، أشد قسوة من رحلة العبور وهي رحلة البحث.
الساعات لا تشبه الساعات، والهاتف يصبح قلبا آخر للعائلة وكل رنة قد تحمل خبرًا، وكل صمت قد يكون نذيرا.
الشاطئ يتحول إلى مكان للترقب، والبحر، الذي كان قبل ساعات مجرد أفق، يصبح وجهًا غامضًا لا يريد أن يكشف ما أخفاه.
في جرجيس وبن قردان، يعرف الناس معنى البحر أكثر من غيرهم، لكنهم يعرفون أيضًا معنى أن يصبح البحر خصمًا لأهلهم.
ولهذا يتخطى خروج البحارة للبحث عن المفقودين مجرد عملية إنقاذ، إنه فعل تضامن من منطقة تعرف أن الغريق ليس غريبا.
الكل يعي بأن ابن الجهة ابن الجميع، وأن الفقد، حين يضرب عائلة، يترك ظله على مدينة بأكملها.
لكن الأشد وجعا في هذه القصة أن هناك شبابا ما زالوا يرون في تلك القوارب احتمالا يستحق المغامرة.
قوارب الموت، نعم، ربما لم تعد هناك تسمية أكثر صدقًا حين تنتهي الرحلة بهذا الشكل.
لكن خلف هذه التسمية، هناك بشر، فلا أحد يولد وفي قلبه رغبة في أن يكون مفقودًا.
ولا أحد يحلم بأن يصبح جثمانا يبحث عنه البحارة، ولا أما تلد ابنا لتستقبله يوما في خبر عاجل
الذين يركبون البحر بحثًا عن الضفة الأخرى، يركبونه لأنهم يريدون الوصول، يريدون عملا، وكرامة، وفرصة، يريدون حياة لا يشعرون فيها بأن أعمارهم تمر أمامهم دون أن تفتح لهم نافذة.
وحين يصبح القارب المهتز في عرض البحر أقل رعبًا من فكرة البقاء، تترسخ المشكلة في اليابسة حيث صار الحلم بالرحيل أقوى من الخوف من الموت.
وتعيد كل مأساة جديدة الأسئلة الثقيلة نفسها عن الهجرة وأسبابها، ثم نتركها تموت مع آخر خبر عن الغرق.
أما العائلات، فلا تتواطأ مع فعل النسيان، فمأساتها لا تنتهي بانتهاء الخبر، تواصل البحث حتى حين يتوقف البحر عن إعطاء الإجابات.
تظل الأم تنظر إلى الهاتف، ويصمت الأب أكثر من المعتاد، ويتذكر الأخ آخر حديث، وتبقى صورة الشاب قبل الرحيل معلقة في مكان ما من البيت، وكأن الزمن قرر أن يتوقف هناك.
ولعل أقسى ما في عبارة “يا وخي… خويا” أنها أعادت كل ذلك دفعة واحدة.
عاد البيت، والطفولة، والوجوه، والأيام التي لم يكن فيها أحد يتخيل أن أخا سيقف يوما في عرض البحر لينظر إلى أخيه ولا يستطيع أن يفعل له شيئا.
“يا وخي… خويا” تشي بأن الشاب لم يكن يريد أن يصدق، وكأن تكرار الكلمة يمكن أن يغيّر الحقيقة، وكأن المناداة الأخيرة قد تمنح أخاه فرصة للرد.
لكن البحر لا يرد، البحر يأخذ، ثم يترك الآخرين ينتظرون، يتركهم مع الأسئلة، ومع الصور، ومع أسماء المفقودين، ومع الشواطئ التي تتحول إلى أماكن للبحث بدل أن تكون أماكن للعودة.
العبارة التي تلامس أقصى الإنسانية تذكرنا بأن وراء كل “مفقود” شخصا يحبه وأن وراء كل “ضحية” عائلة، وأن وراء كل قارب قصة لم تبدأ في البحر، ولن تنتهي عنده.
بدأت في بيت، في حلم، في ضيق، في انتظار، في رغبة شاب بأن تكون له حياة تشبه ما يتخيل، ثم انتهت في الماء.
ومن المؤلم أن يصبح البحر آخر عنوان لأحلام كثيرة، وأن تتحول القوارب التي كان يُفترض أن تكون وسيلة للعبور إلى قوارب للموت.
وأن يظل على الشاطئ من لم يستطع الرحيل، يبحث في كل موجة عن أخ، وفي كل خبر عن اسم، وفي كل عودة لقارب عن نهاية لهذا الانتظار.
“يا وخي… خويا” … ليست صرخة أخ فحسب،إنها صرخة كل من ينتظر مفقودا، صرخة الجنوب حين يفقد أبناءه في البحر، صرخة أم لا تريد من الضفة الأخرى شيئًا سوى أن يعيدوا إليها ابنها.
“يا وخي… خويا” تعبيرة تكفي لتقول إن البحر لم يبتلع أحلاما، وترك خلفه عائلات تتعلم للمرة الأولى أن الانتظار يمكن أن يكون شكلا آخر من أشكال الألم.
وتتعلم، ايضا، أن بعض القوارب، حين تغادر الشاطئ محمّلة بأحلام الشباب، تذهب إلى المجهول وقد تعود منها الأجساد وحدها، بينما تبقى الأحلام في مكان ما، بين موجتين، تنتظر من يعثر عليها.