حينما قرر الجاز أن يسكن الشارع في مدينة طبرقة، تحول إلى مسرح بلا جدران، تداخلت فيه حركة المدينة مع إيقاع الموسيقى، وأصبح المارّة جزءًا من العرض.
في أولى عروض “ستريت جاز”، وضعت برمجة مهرجان طبرقة للجاز المدينة في قلب التجربة الفنية، على إيقاع عرض للفنان الجزائري جمال لعروسي.
وكأن المدينة، بعد ست سنوات من الصمت، احتاجت من يعيد الجاز إلى شوارعها لتستعيد طبرقة صوتها القديم بلا مقدمات ولا خطابات، بل بارتجال يشبه لغة المكان نفسه.
واختيار العروسي يوازي اختيار فكرة موسيقية كاملة، فكرة ترى في الجاز لغة قادرة على استيعاب الذاكرة، لا على إلغائها، وفي التراث مادةً للإبداع لا متحفًا للألحان القديمة.
وهذه الفكرة ذاتها التي بدت وكأنها تحكم عودة المهرجان بعد انقطاع طويل، لا استعادة حرفية لما كان، بل إعادة اكتشاف لما يمكن أن يكون.
خلف المنصة، كان البحر الممتد يرسم المشهد بألوانه الهادئة، بينما أخذ الجمهور يتهافت من كل الجهات، تونسيون اعتادوا أن يمنحوا طبرقة صيفها الموسيقي، وقد غاب عنهم هذا الموعد سنوات، وجزائريون حملوا علم بلادهم احتفاءً بفنان استطاع أن يجعل من الغيتار جواز سفر يعبر به بين الجزائر والعالم.
لم يطل الوقت حتى ذابت الهويات في لحظة احتفال مشتركة، زغاريد تونسية تتعالى من جهة، وتولويلات جزائرية ترد عليها من الجهة الأخرى، وكأن الجمهور نفسه يحتفل بعودتين معًا: عودة المهرجان إلى طبرقة، وعودة طبرقة إلى ذاتها.
وفي خضم هذا اللقاء، لم يحتج العروسي إلى كثير من الكلمات، ترك الغيتار يعلن بداية الحكاية باستهلال موسيقي بدا أقرب إلى دعوة للإصغاء، قبل أن تدخل آلة الباص، ثم الأورغ، فالدرامز.
حوار لم يكن قائمًا على إبراز كل آلة على حدة، بل على بناء نسيج صوتي واحد، تتوزع فيه الأدوار بدقة، ويتحول الارتجال إلى أداة لبناء المعنى.
ومن يعرف تجربة العروسي يدرك أنه لا يعزف الجاز كما ورثه عن المدارس الغربية، بل كما أعاد اكتشافه من داخل ذاكرته الجزائرية، فتنقّل بين محطات مشروعه الطويل، من “إيعافو” إلى “كما تدين” و”كيفاش حيلتي” و”نديم” و”حب آخر الزمان” و”حسناء”، وكأنه يقرأ سيرته الموسيقية فصلاً بعد فصل، فيما كانت الألحان تتحرك بين المقامات المغاربية والهارمونيات الجازية، دون أن يشعر المستمع بأي قطيعة بين العالمين.
وإذا كان الغناء يحمل دفء الأغنية الجزائرية، فإن الغيتار كان يفتح باستمرار منافذ جديدة للارتجال، فيتحرر اللحن من شكله الأول، ويولد من جديد داخل العرض.
تلك هي إحدى أهم خصائص موسيقى العروسي، فهو لا يؤدي أعماله كما سُجلت، بل يعيد كتابتها على الركح، مستفيدًا من تفاعل الجمهور ومن الحوار الحي بين العازفين.
وكانت “Take Five” لحظة فارقة في الأمسية، إذ أعاد قراءة هذه القطعة، التي تُعد إحدى أيقونات الجاز العالمي، بروح متوسطية، ومنحها دفئًا مغاربيًا، ليؤكد من جديد أن الجاز، كما التراث، لا يحيا بالتكرار بل بالتأويل.
أما “Étoile Filante”، التي اختتم بها العرض، فجاءت أشبه ببيان فني يختزل مسيرته، موسيقى شفافة، ومتدفقة، تجمع بين الرهافة والعمق، وتترك للمستمع مساحة واسعة كي يكمل الحكاية بخياله.
هءه الأغنية لم تكن خاتمة للحفل بقدر ما كانت وعدًا باستمرار الرحلة، رحلة طبرقة مع الجاز التي استؤنفت البارحة بعد ست سنوات من الانتظار.