في “قبو الحفصية”، يكتب محمد أمين بن هلال رواية من داخل الألم، لا يتعامل معه كشعور عابر في حياة الشخصيات ولا عنصر درامي يستدعيه لتحريك الأحداث.
الألم في كتابة بن هلال حالة وجودية تتسرّب إلى اللغة والبناء والزمن وطريقة النظر إلى العالم، لذلك تبدو روايته البكر منذ صفحاتها الأولى وكأنها تقيم في منطقة معلّقة بين الحياة والموت.
بعيدا عن تناقض هذه الثنائية، تبني الحروف فضاء رمادي تتحرك داخله الشخصيات وهي تحمل ما تبقّى منها، انطلاقا من العنوان الذي يتجاوز المكان ليستعير سردية كاملة.
القبو هنا ليس أسفل “المدينة” فقط، بل أسفل الذات، أيضًا، هو ذلك الحيّز المعتم الذي يختزن الذاكرة وكل ما تعجز الشخصيات عن قوله. ومن الحفصية، بما تحمله من كثافة تاريخية ورمزية داخل المخيال التونسي، يصنع الكاتب مسرحًا تتقاطع فيه الهشاشة الفردية مع شروخ الجماعة.
ما يلفت في هذا العمل أنّ الكاتب لا يتعامل مع شخصياته ككائنات روائية تمضي نحو خلاص أو نهاية أخلاقية فهو يقترب منها كما يقترب مصوّر سينمائي من وجه متعب.
إنه يطيل النظر إلى الندوب، ويترك للضوء سبيله حتى يسقط عليها، ولا يحاول تغطيتها ولا تضميدها، ويضع القارئ في مواجهة شخصيات لن تعرف الشفاء ولا رفاهية التماسك الكامل.
شخصيات الرواية الصادرة عن دار سيراس للنشر في تماس دائم مع خساراتها، ومن هنا تتشكل خصوصية أسلوب بن هلال، في خلق كيانات تقف في منزلة بين الأحياء والأموات، محاصرة بذاكرة لا تتوقف عن العودة، ولكنها تواصل الحركة والكلام والبحث. إنها تعيش داخل زمن معلّق، عودة مستمرة ألى الوراء يتجلى فيها الماضي قوة تعيد تشكيل الحاضر.
طبيعة الشخصيات، تمثل بعضا من ملامح الحضور السينمائي الواضح في الرواية حيث يتجاوز التقطيع الزمني البعد التقني ليشكل اختيارا جماليا وفلسفيا.
والذاكرة في “قبو الحفصية” لا تعمل بخط مستقيم، والألم أيضا لا يسير وفق التسلسل، لذلك تنتقل الرواية بين اللحظات كما ينتقل الوعي نفسه، لقطة، ثم فراغ، ثم ارتداد مفاجئ نحو ما اعتقدنا أنه انقضى.
على وقع الشد والجذب بين الماضي والحاضر
يُجانب القارئ من الاستقرار العاطفي وترتبك كل محاولة للتعاطف الهادئ بانهمار الذكريات وانكشاف طبقة أخرى من الجرح.
وفي رسم عوالمه، لا يحوّل الكاتب الألم إلى بطولة، ولا يقدّمه زينة أدبية، ومع ذلك فإن اللغة لا تتخلّى عن بعدها الجمالي، إذ يعاين الندوب ثم يرشّ عليها الملح.
ولأن الألم، في تصوره السردي، لا يُفهم إلا إذا ظل حيا، فإن جمالية “قبو الحفصية” لا تقوم على تجاوز الألم، بل على التحويم حوله.
فالرواية لا تدخل مباشرة إلى مركز الجرح، وإنما تدور حوله، تنظر إليه من زوايا متعددة، وتترك أثره ينعكس على الشخصيات وعلى الإيقاع وعلى اللغة نفسها.
وفي ملامح الشخصيات يتضح هذا الخيار أكثر فأكثر، فهي ليست ضحايا مكتملة المعالم، وإنما أجساد تمرّ عبرها توترات سياسية واجتماعية وأيديولوجية تتجاوز الفرد إلى الجماعة.
لذلك يتحول ألمها من تجربة خاصة إلى انعكاس لأسئلة أوسع تتأرج بين ما يبقى من الإنسان حين يُسلب حقه في رواية قصته ومسار تحول الذاكرة من وسيلة نجاة إلى عبء وجودي.
و”قبو الحفصية” رواية لا تبحث عن تسكين الجراح بقدر ما تختبر إمكان السرد داخلها، تكتب من العتمة دون أن تحتفي بها، وتصنع من التصدعات الإنسانية مادة جمالية لتكشف طبقات الألم الخفية.
وهي لا تمنح القارئ امتياز التطهر ولا تعيد ترتيب الخراب ولا تصدّر حكمة أخيرة، وتخرج منها الشخصيات كما خرجت منها اللغة نفسها أقل يقينًا، وأكثر حياة.
الرواية ترفض الخلاص السردي وهي ليست رواية عن الألم بقدر ما تبدو رواية عن الأثر الذي يتركه الألم حين يتحول إلى طريقة في النظر إلى العالم، رواية تحيك جماليتها من القدرة على تأمل الألم دون إنكار، وعلى تحويل هشاشتنا إلى شكل من أشكال المقاومة.