بقلم : رواء حجي *
بعدسة فنية تمزج بين الطابع السينمائي والطابع الوثائقي يحوّل المخرج كارين شاخنازاروف رواية “الغرفة رقم 6” للأديب الروسي أنطون تشيخوف من نص أدبي إلى فعل سينمائي، هو من يعيد توجيه حبكتها بمقاربة ذاتية، ليقدم صورة متكاملة عن تجربة وجودية لأحد الأطباء النفسيين.
تنطلق هذه الحبكة من مقابلات قصيرة لمرضى نفسيين حقيقيين كاشفة عن جذور مرضهم وتأثير ضعف التنشئة والإحاطة العائلية على الصحة النفسية، إضافة إلى ما يحمله هؤلاء المرضى من أحلام مستقبلية تعكس حضورا ذهنيا لديهم رغم ما يحملونه من مرارة وفقد.
و للوهلة الأولى، تُوهِم هذه المقابلات وما تفيض به من تجارب إنسانية، بأنها تمثّل الخيط الناظم للفيلم إلاّ أن المخرج يواصل سرده تدريجيا بتأطير عام ينقل الأجواء داخل أحد المصحات النفسية بموسكو عبر مشاهد تأخذ المتلقّي في جولة عبر أروقتها الضيقة وغرفها المظلمة، وحديقتها المكتظة بالمرضى، فتتحوّل إلى فضاءات يُجرِى فيها أحد الأطباء حوارات أخرى مع بعض المرضى المقيمين سيمهّد بها المخرج الانتقال إلى حكاية الدكتور “راغين” وحالته النفسية، فيصوره كطبيب مستمع إلى مشاغل مرضاه النفسية ينتهي به المطاف هو الآخر مقيما بالغرفة رقم 6.
وتصبح هذه الغرفة شاهدة على حوارات بين الطبيب وأحد مرضاه ستفتح مجدّدا الباب أمام تساؤلات عن معانٍ وجودية تدغدغ ذهن المشاهد وتبثّ فيه حالة من عدم اليقين حول الحدّ الفاصل بين العقل والجنون، حين تتداخل الأدوار بين طبيب مكتئب ومريض نفسي ناقد.
تتحوّل الغرفة رقم 6 إلى سجن يرفض “راغين” القبوع تحت جدرانه، يطالب بالخروج، فيتعرّض إلى ضرب مبرح من قبل مشرف الغرفة. ومن هذه الحادثة تأخذ النهاية منحى مغايرا عن تلك التي نسجها تشيخوف لبطل روايته، فأي مصير لقاه هذا الطبيب في كلتا النسختين؟
جدير بالذكر أن هذا الفيلم عرض في إطار تظاهرة “أيام Mosfilm” التي نظّمها البيت الروسي في تونس من 12 إلى 21 ماي 2026 بدعم Mosfilm “، أكبر أستوديوهات السينما في روسيا وأعرقها”. وتقول مديرة البيت الروسي في تونس مارينا إيغناتيفا “إن الأفلام المعروضة وقع اختيارها بعناية بما يجعل موضوعاتها أكثر قربا من اهتمامات الجمهور التونسي”.
واعتبرت مارينا إيغناتيفا أن “السينما تمثّل أحد الفنون القادرة على الإقناع وأكثرها قربا من الجميع، خاصة وأن السينما ومنها الروسية تطرح تساؤلات أبدية وكونية”. وتضيف : “مثّل البرنامج فرصة لتمكين التونسيين من رؤية روسيا كما تتشكّل في الوعي الروسي، ومناسَبة للتعرّف على الرموز الثقافية وتصوّرات الروس للواقع والتاريخ”.
وقدّمت هذه الفعالية أوجه متنوعة وطوابع سينمائية مختلفة تطرحها ستة أفلام أدار إخراج معظمها كارين شاخنازاروف، “المخرج الروسي ذو الطروحات السينمائية المتنوعة المازجة بين الطابع الوجودي والساخر والسيكولوجي”. حيث يقوم فيلمه “النمر الأبيض” على الدراما الحربية، فيما يزجّ فيلم “الغرفة 6” المشاهد في عالم توثيقي وسيكولوجي. أما فيلمه “ساعي البريد” فيقوم على الكوميديا الساخرة والغروتاسك، وهو ما يخوّل لهذا المخرج في الإسهام في تشكيل ماهية السينما الروسية الحالية والمستقبلية”، وفق تعبير إيغناتيفا.
*طالبة ماجستير بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار