في اختتام مهرجان العود الدولي، كانت فلسطين القلب النابض، والبوصلة التي اتجهت إليها الأوتار كلما ابتعدت في المقامات، والاسم الذي ظلّ يتردّد في القاعة كأنّ الموسيقى، مهما اتّسعت مسافاتها، لا تجد ما تقوله في النهاية سوى أن فلسطين تستحقّ الحياة.
ثلاثة أعواد، وثلاثة إخوة، سمير وعدنان ووسام جبران، وإلى جانبهم الفيولونسال والإيقاعات، في لقاء تجاوز عرضا موسيقيا تتقاطع فيه المقطوعات.
وعلى خشبة قاعة الأوبرا بمدينة الثقافة تبدّى مانفستو عن الهوية والحرية، عن الإرادة حين تُحاصر، وعن شعب يُراد له أن يُستأصل من أرضه وذاكرته، فيتمسّك بالحياة ويقاوم بالنبرة والكلمة والصوت.
منذ اللحظات الأولى، بدا العود في أيدي الإخوة جبران أكثر من آلة موسيقية، كان امتدادا لذاكرة لا تنفصل عن جغرافيتها، وصوتا يحمل ما تعجز اللغة أحيانا عن قوله.
تتجاور الأعواد الثلاثة، تتقاطع عباراتها، وتنفرد إحداها قبل أن تعود إلى الحوار مع أختيها، فيما يضيف الفيولونسال عمقا دافئا إلى النسيج الموسيقي، وتمنح الإيقاعات هذا الحوار نبضه المتوثّب.
لا تستقرّ الموسيقى طويلا في جهة واحدة، تتأرجح بين الشجن والاندفاع، بين هدوء يشبه التأمّل واندفاعة تشبه الهتاف، كأنّها تستعيد في حركتها المتقلّبة ما يعيشه الفلسطيني بين ثقل الفقد وإصرار البقاء.
ومن هذا التفاعل تنشأ حيوية العرض، إذ لا تبقى الموسيقى أسيرة مسار لحني مستقيم، وتتّسع للانتقال بين العبارة الهادئة والتصاعد الإيقاعي، وبين الامتداد التأمّلي والاندفاع الذي يرفع منسوب التوتّر.
وفي المسافة بين هذه التحوّلات، تتجلّى براعة ثلاثي جبران في بناء سرد موسيقي لا يحتاج دائما إلى كلمات كي يروي حكايته. فالجملة التي تبدأ هادئة قد تنتهي مشحونة بالطاقة، والنغمة التي تبدو في ظاهرها امتدادا للشجن قد تنقلب إلى إعلان عن التمسّك بالحياة.
ويمنح الفيولونسال هذا الحوار بعدا صوتيا آخر، فصوته العميق، بما يحمله من دفء وكثافة، يوسّع المجال التعبيري للعود، ويضيف إلى رنين أوتاره مساحة أكثر قتامة واتساعا.
لا يكتفي بمرافقة الأعواد ويسهم في بناء الأرضية الشعورية التي تتحرّك فوقها الجمل الموسيقية، ويمنح بعض اللحظات ثقلا يكاد يُسمع كما لو كان صدى لذاكرة بعيدة.
أما الإيقاعات، فتتجاوز وظيفة ضبط الزمن الموسيقي إلى تنظيم طاقة العرض، فتارة تمنح النغمات فسحة للتنفّس، وتارة تدفعها نحو تصاعد يقترب من نبض جماعي، كأنّ الموسيقى تنتقل من التأمّل الفردي إلى التعبير المشترك.
وهنا تكمن إحدى نقاط قوة التجربة، في التوازن بين الآلات، وفي القدرة على الانتقال من صوت منفرد إلى كتلة موسيقية متماسكة من دون أن تفقد التفاصيل دلالتها.
ولعلّ ما يمنح تجربة ثلاثي جبران خصوصيتها أنّ فلسطين ليست موضوعا يضاف إلى الموسيقى من خارجها، ولا شعارا يُرفع عند ذروة العرض، هي ما يتشكّل منه الصوت نفسه.
في العود شيء من الأرض، وفي امتداد النغم شيء من الذاكرة، وفي التقاء الآلات الثلاث ما يشبه الإصرار على أن الهوية فعل متواصل في مواجهة المحو وليست حكاية ماضية نرويها.
ويتجاوز العزف استعراض المهارة، على ما فيه من براعة وتنوّع، ليصير بناء لمعنى يتجاوز حدود الخشبة وتتجاوب الأوتار وتتصادم أحيانا، تتقدّم ثم تتراجع، دون أن تفقد خيطها الناظم.
ما أشبه الأمر بتعدد وجوه الحكاية الفلسطينية دون أن يتبدّل جوهرها، حقّ الإنسان في أرضه، وفي اسمه، وفي أن يعيش حرا.
وكان للشعر، في هذه الرحلة الموسيقية، أن يستعيد مكانه بين النغمات، حين استحضر سمير جبران كلمات محمود درويش في وداعه لتونس، تلك الكلمات التي تختزن علاقة الشاعر ببلد احتضنه، وألفة المكان الذي يتحوّل، مع الزمن، إلى جزء من سيرة القلب.
“كيف نشفى من حب تونس الذي يجري فينا مجرى النفس؟”
ثم يمضي درويش في استعادة ما تركه في تونس من محبة وذاكرة، قبل أن يوصيها بشهدائها، ويختم وداعه بنداء يحمل في داخله وعد اللقاء.
“حافظي على نفسك يا تونس. سنلتقي غدا على أرض أختك: فلسطين”.
في صوت سمير، لم تكن الكلمات استعادة أدبية لرسالة قديمة، وبدت كأنّها تعبر المسافة بين زمنين، لتصل إلى الحاضر محمّلة بما لم يفقد راهنيته.
تونس التي أحبّها درويش، وفلسطين التي ظلّت تسكن قصائده، تلتقيان في تلك اللحظة على خشبة واحدة كحكايتين من الألفة والوجع، ومن الحاجة إلى الحرية والحق في الحياة.
وفي استحضار هذا الوداع ما يتجاوز الحنين إلى تونس، إذ بدا كأنّ الشاعر يترك للجمهور وصية لا تنفصل فيها المحبة عن المسؤولية، ولا يصبح فيها التضامن مجرّد عاطفة عابرة. ففلسطين، في كلمات درويش، ليست أرضا بعيدة نرسل إليها تعاطفنا، هي أخت تونس التي تنتظر أن تلتقي بها يوما على أرضها، وقد لفظت الاحتلال.
ومثلما انتقلت الأمسية بين عوالم موسيقية مختلفة، تنقّلت بين درجات من التعبير لا يختزلها الشجن وحده. فالموسيقى التي تستحضر الوجع لا تظلّ حبيسة الحداد وتبحث في داخل الألم عن طاقة تقاومه. في بعض المقاطع، بدا الإيقاع كأنّه يوقظ النغم من استرساله، فيما حملت الجمل المتصاعدة إحساسا بالحركة والمواجهة. وفي مقاطع أخرى، تركت الأعواد للصمت والمساحات الصوتية أن يقولا ما لا تقوله الكثافة.
وفي مقطوعة “القمر المعلّق”، التي أهدى فيها ثلاثي جبران عزفه إلى الشهداء والأسرى، بدا القمر كأنّه استعارة لفلسطين المعلّقة بين وجع الفقد وانتظار الحرية.
ضوءٌ يقاوم العتمة، وأملٌ يتشبّث بالسماء فيما تثقل الأرض بأسماء الراحلين وخطى المنتظرين خلف القضبان.
وكان الإهداء التفاتة موسيقية إلى الذين دفعوا حياتهم ثمنا للبقاء، وإلى الذين ما زالوا يقاومون الأسر بأحلامهم وإرادتهم.
وفي تداخل الأعواد، بما تحمله من شجن وتصاعد، ما يشبه حوارا بين الغياب والحضور فالشهداء يسكنون ذاكرة الأرض، والأسرى يحملونها معهم خلف الجدران، وكلاهما يظلّ جزءا من حكاية لا تستطيع القيود ولا الموت أن يضعا نهايتها.
كأنّ “القمر المعلّق” يترك الضوء شاهدا على هذه الحكاية، ويعيدنا إلى نداء محمود درويش “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”، ففي فلسطين حيلة وحرية وأرض مازالت تنادي أبناءها ومازال أبناؤها يحملونها في قلوبهم حيثما ذهبوا.
بين الامتلاء والفراغ، بين التوتّر والانفراج، أخذ العرض شكل حكاية لا تُروى من زاوية واحدة، وتتشكّل من التناقضات التي تسكن التجربة الفلسطينية نفسها.
وفي موضع آخر من العرض، مرّت أغنية “كل ده كان ليه؟” بصوت سمير جبران، ففتحت في سياق الأمسية بابا آخر للشجن، وأعادت إلى الصوت العربي قدرته على مساءلة الوجع واستبطان ما تتركه التجربة الإنسانية من أسئلة.
وبين الأغنية والعود، وبين الكلمة التي تستدعي الذاكرة والنغمة التي تواصل أثرها، ظلّ العرض محتفظا بقدرته على تجديد الإصغاء.
لا مكان للرتابة في هذا الحوار الذي يغيّر إيقاعه ومزاجه، ويترك للموسيقى أن تتنقّل بين عوالمها من دون أن تفقد بوصلتها.
لكن فلسطين كانت تعود في كل مرة، كأنّها الخيط الذي يشدّ أجزاء الأمسية بعضها إلى بعض. في النغمات التي تحمل شيئا من التمرّد، وفي العبارات الموسيقية التي تتصاعد ثم تسكن على مهل، وفي الصمت القصير الذي يفصل بين مقطوعتين، كان ثمة ما يستدعي السؤال عن معنى أن تكون فلسطينيا في عالم يطول فيه الانتظار، وعن معنى أن ترفع صوتك باسم شعب يُراد إسكات صوته، وأن تظلّ متمسّكا بالحرية فيما تُحاصر شروط الحياة نفسها.
ولم يكن الإخوة جبران بحاجة إلى تحويل الركح إلى منبر خطابي كي يبلغ هذا المعنى جمهوره.
كانت الموسيقى تقوم بما تجيده، تفتح مساحة للإنصات، وتترك للوجدان أن يتقدّم نحو الفكرة، وتمنح الألم شكلا يمكن تقاسمه من دون أن تفقده خصوصيته.
والفرق واضح بين أن تتحدّث عن فلسطين وأن تجعل الحضور يشعر، ولو للحظات، بأنّها ليست خبرا يمرّ على الشاشات، ولا صورة تختزلها المأساة وأنها شعب له ذاكرة وثقافة وأحلام، وله الحق في أن يواصل حياته على أرضه.
وحينما صدح صوت محمود درويش “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”
ثم بلغت القصيدة “على هذه الأرض سيدةُ الأرض، أم البدايات.. أم النهايات. كانت تسمى فلسطين. صارت تسمى فلسطين. سيدتي: أستحق، لأنك سيدتي، أستحق الحياة”.
وقف الإخوة الثلاثة وأشهروا أعوادهم في وجه الاحتلال والنسيان والتطبيع، ودوت الأوتار في القاعة، فيما ارتفعت أصوات الجمهور بالهتاف، وتردّدت بين الصفوف عبارة “عاشت فلسطين”.
لم تعد القصيدة في تلك اللحظة نصّا مستعادا، ولا الموسيقى خلفية ترافق الكلمات، صار الاثنان معا مساحة التقاء بين الفنانين والجمهور، بين من يحملون فلسطين في أصواتهم ومن وجدوا في تلك الأصوات ما يعبّر عنهم.
وكان للوقوف في تلك اللحظة أثر يتجاوز الصورة، فقد بدا كأنّ الحركة الجسدية للعازفين تكمل ما كانت تبنيه الموسيقى من تصاعد. توقّف العزف، لكنّ الصوت لم ينقطع، بل انتقل من الأوتار إلى الحناجر. وما كان قبل لحظات حوارا بين آلات، صار استجابة جماعية، فيما تحوّلت القاعة إلى مساحة تتقاطع فيها الموسيقى بالشعر والهتاف.
واكتملت الدائرة بدأت فلسطين نغمة في الأعواد، ثم صارت كلمة في قصيدة درويش، وانتهت صوتا جماعيا يملأ المكان.
كان الوقوف أشبه باستجابة جماعية لمعنى الحياة الذي ظلّ العرض يبحث عنه منذ بدايته. حياة لا تختزلها النجاة من الموت، وتتّسع للكرامة والحرية، وللحق في أن يكون الإنسان نفسه، وأن يحتفظ بلغته وذاكرته وأرضه، وألّا يصبح وجوده موضع تفاوض أو تهديد دائم.
ولعلّ أكثر ما يختصر هذه الأمسية ما قاله سمير جبران عن أمله في أن تتحرّر فلسطين، وأن يتمكّن الإخوة الثلاثة عندها من الوقوف على الركح كفنانين عاديين لا يعتلون المسارح وعلى عاتقهم أماني التحرر.
في هذه الأمنية شيء من المرارة، إذ تكشف كيف يلاحق الاحتلال الفلسطيني حتى في مساحاته الفنية، وكيف يصبح الفن، بالنسبة إلى الفنان الفلسطيني، محمّلا بما يتجاوز حقّه في الإبداع.
لكنّها تحمل أيضا تصوّرا بسيطا وعميقا للحرية: أن يأتي يوم لا يكون فيه على الفنان أن يشرح جرحه كي يُصغي إليه العالم، ولا أن يحمل قضية شعبه في كل نغمة كي يثبت حقّه في الوجود.
أن يكون سمير وعدنان ووسام جبران فنانين فحسب، وأن يعزفوا لأنّهم يحبّون الموسيقى، لا لأنّ عليهم في كل مرة أن يواجهوا محاولات المحو بصوتهم.
أن يقفوا على الركح دون أن تسبقهم المأساة، وأن تتّسع فلسطين، أخيرا، لما تستحقّه من حياة طبيعية، ولأبنائها كي يعيشوا فيها كما يعيشالناس في أوطانهم.
إلى أن يتحقّق ذلك، تظلّ الأعواد الثلاثة حاضرة في المسافة بين الفن والمقاومة، لا لتعوّض الأرض، ولا لتختزل القضية في مقطوعة، إنما لتقول إنّ الذاكرة حين تتحوّل إلى موسيقى لا تصبح أقلّ وجعا، لكنها تجد طريقا آخر إلى الآخرين.
وفي مهرجان العود الدولي، كانت فلسطين الحضور الذي جمع الموسيقى بالشعر، والهوية بالحرية، والحزن بالإرادة.
وحتى صدى الأوتار واصل رحلته خارج القاعة، بعد انتهاء العرض، وظلت الحرية مطلبا مفتوحا، والحياة حقّا لا ينبغي أن يحتاج شعب إلى كل هذا الألم كي يدافع عنه.
على هذه الأرض ما يستحق الحياة، نعم. ولعلّ ما قاله ثلاثي جبران في تلك الليلة، بأعوادهم وكلمات درويش وأصوات الجمهور، هو أنّ فلسطين تستحقّ أن يأتي يوم تعيش فيه الحياة من دون أن تكون مقاومة الموت شرطها الأول.