في أول حضور لها في تونس وإفريقيا، حلت الفرقة التركية “Dedublüman” (ديدوبلمان) على ركح مهرجان الحمامات الدولي محمّلة بسؤال عن المكان الذي يمكن أن تلتقي فيه ذاكرة قديمة بصوت حديث.
وبعيدا عن سبر جمهور جديد، بدت الفرقة منذ ميلاد نغماتها الأولى وكأنها تختبر قدرتها على عبور الحدود التي ترسمها الجغرافيا، واللغة، وحتى التصنيفات الموسيقية.
على امتداد ساعة وأربعين دقيقة، لم تستقر الموسيقى في منطقة واحدة، كانت تندفع خطوة نحو الروك، ثم تعود إلى الفولك التركي، قبل أن تفتح مسارا ثالثا لا هو بشرقي ولا هو بغربي.
وكلما تدفقت الموسيقى، تكسرت الحدود تباعا، فعناصر المجموعة اتفقوا على التحرر من الاستقطابات الثنائية وصنعاء لأنفسهم منطقة ثالثة تسقط على أعتابها كل التصنيفات.
وحينما تكلمت الكلارينات انهمرت نفحات تحمل بعضا من ذاكرة الأمكنة البعيدة، وتقاطعت مع صخب الغيتارات وتمرد الباص والدرامز، فيما أضاف العود والكلافيي والكمنجة طبقات أخرى إلى المشهدية.
هذا التنوع في الآلات تجاوز الاستعراض ليشكل جوهر تجربة المجموعة الموسيقية التي تحول الخشبة إلى مساحة تتجاور فيها أصوات مختلفة من دون أن يلغي أحدها الآخر.
ولعل ديدبلومان تستمد فرادتها وخصوصيتها من هذغ التنوع الذي لا يلغي فرادة كل صوت داخله، فكل آلة تحتفظ بذاكرتها وتمد روحها نحو الآلات الأخرى.
فالعود لا يتخلى عن نبرته حين يجاور الغيتار، والكلارينات يتوشح بشرقية ساحرة حين يدخل في مواجهة مع الدرامز، والغيتار لا يحتاج إلى أن يتنكر لصخبه كي يفسح المجال لأصوت أكثر حميمية.
إصغاء متبادل بين أعضاء الفرقة شكل جمالية العرض وولّد كيمياء سرت إلى المدارج، إذ كان كل عازف يتماهى مع آلته قبل أن ينفتح على الآخرين.
وفيما تتقدم آلة موسيقية تتراجع الأخرى ويملأ صوت الخشبة، ثم يترك فراغا لصوت آخر، ومن هذا الأخذ والرد تولد موسيقى تبدو أحيانا كأنها صيغت للتو أمام الجمهور.
وعلى الركح لم يحاول أي عازف أن يبتلع المشهد، لقد كانت الخشبة تتسع للجميع،حتى الإضاءة فهمت هذه اللعبة، لم تتعامل مع العازفين باعتبارهم كتلة واحدة، بل راحت تلتقطهم فردا فردا.
وكلما أصبح أحدهم مركزا للحظة الموسيقية، وضعه الضوء في قلب المشهد، وكأن الإخراج الركحي يقول للجمهور انظروا إلى اليد التي تصنع هذا الصوت، إلى الجسد الذي يتحرك خلف هذه النغمة.
وتجاوزت الإضاءة كونها عنصرا بصريا يرافق الموسيقى، لتصبح طريقة أخرى لسردها، وفي لحظات كثيرة، كان الضوء يسبق النغمة، يضيء عازفا، فيتهيأ الجمهور لصوت آلته، ثم ينقل انتباهه إلى آخر، فتتغير خريطة الخشبة كما تتغير الجمل الموسيقية، وكأن الركح نفسه يعزف.
وأما الروك فتجلى مع ديدوبلومان بوجه آخر أكثر التصاقا بالحاجة الإنسانية إلى الانفلات، فحين ترتفع الدرامز وتشتد الغيتارات ويصدح صوت الكلارينات من العمق، يبدو كأن شيئا مكبوتا يجد أخيرا طريقه إلى الخارج.
وحينما توغل في ثنايا المزج، انت لا تكتفي بالاستماع إلى الموسيقى إنما تفرغ شيئا منك في الموسيقى. القلق، التعب، العلاقات التي تستنزف، والأسئلة التي لا تجد دائما لغة واضحة، تتحول جميعها إلى إيقاع يلفظه الجسد وتستقبله الموسيقى.
من تركيا إلى الحمامات، لم تحتج ديدوبلمان إلى ترجمة كلماتها لتحقق الوصل، كانت الآلات تقوم بجزء من مهمة اللغة، تستحضر شرقا يعرفه التونسيون جيدا، وتفتح نافذة على ذاكرة متوسطية، وتدفع هذه الذاكرة نحو حاضر أكثر صخبا.
إنها موسيقى تعرف من أين جاءت، لكنها لا تريد أن تبقى هناك، ولعل في الذئب الذي تتخذه الفرقة علامة بصرية شيئا من هذه الفلسفة.
فالذئب ليس فقط صورة للقوة أو الانتماء، بل كائن يتحرك في المساحات المفتوحة، يعرف غريزته وطريقه، ولا يحتاج إلى أن يفقد جذوره كي يذهب بعيدا.
وعلى هذا النهج تمضي المجموعة، تحمل شيئا من هويتها التركية، ثم تتركه يعبر، وهو ما يجعل حضور المجموعة على ركح مهرجان الحمامات الدولي يحاكي ذاكرة موسيقية جاءت من الضفة الأخرى لتكتشف أن بعض أصواتها مألوفة في تونس.
فالآلات الموسيقية لا تحتاج إلى جواز سفر لا ولا تعرف الحدود، ولا تسأل عن اللغة التي يتحدثها الجسد حين يتحرك وهو ما جعل الأجواء في المسرح المحاري بالحمامات أشبه بطقس عبور.
وقد بدا الروك التركي أقل انشغالا بإثبات صلابته وأكثر اهتماما بتوسيع حدوده، إذ أخذت الفرقة من الفولك التركي ذاكرته ونبرته، ومن الروك طاقته وحريته، ثم وضعت الاثنين في مساحة واحدة تعيد بناء العلاقة بينهما فوق الركح.
وكان العرض، تمرينا على الإنصات الجماعي، إنصات العازف إلى آلته، والعازف إلى زميله، والضوء إلى الموسيقى، والجمهور إلى كل هذه التفاصيل مجتمعة.
وعلى أعتاب المساحة التي يمكن أن يلتقي فيها الشرق والغرب وجدت ديدوبلمان صوتها، وفي الحمامات، وجد ذلك الصوت جمهورا مختلفا.