استفاقت الساحة الثقافية والإعلامية بجهة الساحل، ومدينة القلعة الكبرى بصفة خاصة، صباح اليوم الجمعة 15 ماي 2026، على نبأ حزين هزّ الأركان : رحيل الكاتب والمراسل الصحفي الفذ محمد بوفارس، الذي غادرنا بجسده تاركاً إرثاً من الكلمات لا يغيب، وقصة حب وفاء لمدينته لن تنتهي.
لم يكن الفقيد، الذي اشتهر بلقبه القريب من القلب “أبو أحلام”، مجرد مراسل صحفي عابر، بل كان المؤسس الحقيقي لإعلام القرب في مدينته. انحاز منذ بداياته في الثمانينات إلى مشاغل المواطن البسيط، فجعل من قلمه جسراً يربط بين هموم “القلاعة” ومكاتب المسؤولين، محوّلاً أنات المهمشين وتطلعاتهم إلى عناوين بارزة في الصحف الوطنية.
لم يكن محمد بوفارس مجرّد مراسل يقوم بنقل مشاغل ابناء مدينته فحسب بل كان أيضا مثقفا “شعبيا” يتبنّى من خلال كتاباته مشاكل أبناء جهته. وقد ساهم قربه الكبير من الناس وتواصلهم المباشر والدائم به بحكم طبيعة عمله كمحضر صيدلي بأحد المراكز الصحية بالجهة، في تيسير عملية التواصل معهم حيث كان يجالس الجميع دون استثناء، كبارا وصغارا، شيبا وشبابا، ويستمع اليهم والى قصصهم ليستلهم منها ويحوّلها فيما بعد إلى خواطر وقصص تفيض عبرا وحكايات ودروسا. فصاحب “حماري العاشق” و”مقهى النساء”، نجح من خلال هاتين المجموعتين القصصيتين إلى إثبات علوّ كعبه ومهارته في السرد القصصي من خلال أسلوب بارع جمع بين البساطة والطرافة.
سافر قلم محمد بوفارس عبر أعرق المؤسسات الإعلامية، من دار الأنوار التي شهدت انطلاقته، إلى “الصريح” و”الرباط” و”مجلة القلعة” و”حضرموت”. كما كان السفير الأول لـ “مهرجان الزيتونة بالقلعة الكبرى”، مسخراً كل طاقاته للتعريف بهذا الموروث الثقافي العريق والترويج له وطنيّاً.
تعدّت بصمة بوفارس حدود الكلمة لتشمل الحقل الجمعياتي والرياضي. فكان من مؤسسي نادي اليونسكو بالقلعة الكبرى سنة 1984 صحبة الدكتور فرج الزرلي الرئيس السابق لجمعية علوم وتراث، وناشطاً في صفوف الشبيبة الدستورية، ولاعبا مهاريا في فريق الخطاف الرياضي بالقلعة الكبرى.
وحتى في سنواته الأخيرة، ظلّ محمد بوفارس وفيا لعاداته من خلال المشاركة في مختلف التظاهرات الثقافية والرياضية والفكرية التي تحتضنها الجهة. وكان متابعا لأنشطة مختلف الجمعيات التي نشأت خصوصا بعد الثورة وكان يدلي بدلوه في ما يهم الشأن العام ويعبّر عما يختلج في صدره عبر تدوينات رشيقة على صفحته بالفايسبوك او من خلال ركن “يوميات مواطن حر” في موقع صحيفة الصريح قبل أن ينهكه المرض ويستنزف جهده وتخبت شعلة قلمه التي لطالما أشعّت في المكان.
وكأن القدر أراد لمحمد بوفارس أن يغادرنا في ذات الشهر الذي ولد فيه (2 ماي 1958) حيث رحل “أبو أحلام”، تاركاً وراءه أحلاماً دوّنها بمداد الصدق، ومدينة تذكرته عبر العديد من التكريمات التي حظي بها وستبقى تذكره كلما هبّت نسائم الزيتون في مدينة المليون زيتونة، وكلما قرأ أحدهم سطراً كتبه “مواطن حر”.
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

























