مع دورته السابعة، رسّخ مهرجان عمّان السينمائي الدولي – أول فيلم، موقعه بوصفه منصة تُعنى بالسينما العربية والأعمال الأولى، بعيدا عن منطق المنافسة الذي يطبع خريطة المهرجانات الدولية.
وهذا الخيار ليس محض تفصيل في هوية المهرجان، وإنما رؤية رافقت تأسيسه، وانعكست على برمجته، ومنصات تطوير المشاريع، وطبيعة النقاشات التي يحتضنها.
في هذا الحوار، تتحدث مديرة المهرجان ندى دوماني عن ملامح هذه الرؤية، وعن الاحتفاء بالسينما التونسية، والتحولات التي تشهدها السينما العربية، وإشكالات التمويل والإنتاج المشترك، ومستقبل قاعات السينما في زمن المنصات الرقمية، ورهان بناء صناعة أكثر استقلالا وقدرة على التعبير عن نفسها.
منذ تأسيس مهرجان عمّان السينمائي، ما الفكرة التي ما زالت تقود اختياراتكم حتى الى الدورة السابعة ؟
عندما أسسنا المهرجان، بدأنا بالتفكير في هويته والأسس التي سيقوم عليها. قررنا أن يركّز على السينما العربية، وأن يكون مخصصا أساسا للأعمال الأولى. اخترنا السينما العربية لأننا نعتقد أن المنطقة بحاجة إلى مهرجان يكرّس اهتمامه بالكامل للأفلام العربية، وهذا أمر يهمنا أيضا في علاقة بالسينما الأردنية. أما التركيز على الأعمال الأولى، فينسجم مع واقع الصناعة السينمائية في الأردن، فهي صناعة حديثة.
كيف تحافظون على هوية مهرجان عمّان في ظل سباق المهرجانات على العروض الأولى؟
من الطبيعي أن تهتم المهرجانات بالعروض الأولى لأنها تستقطب الجمهور الذي لم تتح له فرصة مشاهدة الأفلام في أماكن أخرى. لكننا في مهرجان عمّان لا ننطلق من منطق المنافسة. أعتقد أن جمهور المهرجان ليسوا ضيوفه فحسب، بل هو أيضًا جمهور محلي وجمهور المدينة.
قبل قليل تحدثنا عن الفيلم الوثائقي الجانب الآخر من الشمس، وهو يعرض للمرة الأولى في العالم العربي، ما يعني أن غالبية الجمهور، حتى من يرتاد المهرجانات، لم يشاهده بعد. كذلك لدينا أفلام قصيرة تعرض لأول مرة عالميا. ومع ذلك، أود التأكيد مجددا أن ما يميز المهرجان ليس عدد العروض الأولى، بل جودة الأفلام التي يختارها.
المهرجان فضاء لعرض الأفلام ولإنتاج الأفكار أيضًا. كيف تصنعون هذا الحوار بين تجارب تأتي من جغرافيات وثقافات مختلفة، لكنها تلتقي في الأسئلة نفسها؟
نحن مصرّون على أن يبقى مهرجان عمّان مهرجانا مهنيا، يخاطب المهتمين بصناعة الأفلام ومحبي السينما، بعيدا عن البهرجة ومظاهرها. الأهم بالنسبة إلينا هو توفير مساحات حقيقية للقاء والتشبيك بعيدا عن أي طبقية، بحيث يوجد جميع ضيوف المهرجان، دون استثناء، في الفضاء نفسه.
إذا أردنا دعم السينما العربية فعلا، فعلينا ألا نكتفي بعرض الأفلام المكتملة، بل أن نساعد أيضا في استكمال المشاريع، عبر منصات التسويق، وإتاحة فرص اللقاء بين المخرجين والمنتجين والممولين لتبادل الأفكار وبناء الشراكات. أعتقد أن مهرجان عمّان استطاع أن يوفر هذه المساحة بعفوية وخصوصية وحميمية.
هل تعتقدين أن السينما العربية تعيش اليوم لحظة إعادة تعريف لهويتها؟
أعتقد أن السينما العربية الحديثة، وخصوصًا لدى الجيل الحالي، استعادت إلى حد كبير حرية سرد حكاياتها بلغتها الخاصة. نحن سعداء بالاحتفاء هذا العام بالسينما التونسية، لأنها تقدم مثالا واضحا على هذه اللغة السينمائية الجديدة، المعاصرة والمبدعة والجريئة والعميقة، الخارجة عن الأطر التقليدية، والتي تنطلق من قصص فردية لتطرح قضايا اجتماعية ومجتمعية واقتصادية وسياسية أوسع.
ورغم اختلاف السياقات داخل العالم العربي، فإن هناك قواسم وأسئلة مشتركة تجمع هذه التجارب.
هذا يتجلى أيضا طبيعة المشاريع في منصات تقديم المشاريع التي تنطلق من قصص محلية وتنفتح على العالم؟
هذا أمر أساسي بالنسبة إلينا. أي فيلم، لكي يكون ناجحا، يجب أن يكون متجذرا في محيطه، وفي الوقت نفسه قادرا على مخاطبة العالم. لسنا مضطرين إلى صناعة قصص تشبه قصص الآخرين، بل أن يصنع صانع الفيلم نفسه قصة تشبهه، ومن خلالها يستطيع أن يصل إلى العالم.
ما الذي يلفت انتباهك اليوم في تجارب الجيل الجديد من السينمائيين العرب؟
ما يلفتني هو جرأتهم في الاقتراب من بعض التابوهات. لكنني، في المقابل، أتأسف لأن بعض هذه الأفلام تضطر إلى مواجهة الرقابة، أو تُجتزأ عند عرضها في القاعات التجارية.
السينما ليست مطالبة بأن تشبهنا أو أن تقدم المجتمع بصورة طبق الأصل، ولا أن ترسم دائما صورة جميلة. نحن لا نصنع أفلاما سياحية، فهذا ليس دور السينما ولا دور الفن. لا يمكن أن نختبئ وراء أصابعنا، فهذا أيضا جزء من الواقع.
كيف تنظرين إلى التحولات التي فرضتها المنصات الرقمية على فكرة المهرجان والفرجة الجماعية؟
من المؤسف والمؤلم أن يصبح الاتجاه العام هو مشاهدة الفيلم منفردا في غرفة، أجمل ما في قاعة السينما أنها تمنحك تجربة جماعية، تتفاعل فيها مع بقية الجمهور. وحتى اليوم، كلما دخلت قاعة سينما وانطفأت الأضواء، أشعر بأن هناك شيئا سحريا لا يمكن أن أعيشه في المنزل.
وما يقلقني أيضا هو هيمنة الفيديو القصير، في وقت أصبحت فيه الأفلام الروائية تميل إلى مدد زمنية أطول قد تصل إلى ساعتين.
إذا كان على مهرجان عمّان أن يترك إرثا واحدا في السينما العربية، فما الذي تتمنين أن يكون؟
أتمنى أن يكبر هذا المهرجان بطريقة عضوية، بخطوات صغيرة لكنها ثابتة، لأن ما يهمنا هو الاستدامة. بعد سبع سنوات، نتمنى أن يستمر ويبلغ سبعين سنة. لذلك نحن حريصون على الحفاظ على خصوصيته.
أتمنى أن يساهم فعلا في صناعة السينما، لا في عرض الأفلام الجاهزة فقط، ويساعد صناع الأفلام على استكمال مشاريعهم. كما أتمنى أن يسهم في إحداث تغيير مجتمعي في علاقة بنظرتنا إلى الفن، وفي طريقة مشاهدة الأفلام بعيدا عن الأحكام المسبقة.
نطمح إلى سينما غير منهزمة، يمكن أن نكون منهزمين في جوانب أخرى ولكننا تخطينا فترة التبعية الثقافية والاستعمار الفكري، لكن علينا أن نتجاوز فكرة أننا مجرد ضحايا. وحتى إن كنا ضحايا في مواضيع أخرى، قطعا لسنا ضحايا في إبداعنا.
هناك أيضا أزمة تتعلق بصناديق دعم الأفلام، إذ يوجد اعتقاد سائد لدى صناع الأفلام بأن صناديق التمويل الغربية تتطلع إلى حضور عناصر معينة في الأفلام، بينما تتطلع بعض الصناديق العربية غياب عناصر أخرى.
ما نحتاج إليه هو دعم يتيح لصانع الفيلم أن يصنع فيلمه كما يراه هو، لا كما يتخيله أو يتوقعه الممول.
هل يمكن أن يشكل الإنتاج العربي المشترك جزءًا من الحل؟
بالتأكيد. اليوم نرى أن معظم الإنتاجات المشتركة تكون بين دول عربية ودول أوروبية، مثل كندا أو بلجيكا مع الأردن، لماذا لا يكون هناك إنتاج مشترك أردني-تونسي، أو أردني-مغربي، أو بين دول عربية أخرى؟ أعتقد أن تعزيز الإنتاج العربي المشترك يمكن أن يكون أحد الحلول المهمة لتطوير الصناعة السينمائية في المنطقة.