لم تبدأ حكايتي مع فلسطين عند حاجز قلنديا، ولا بين جدران رام الله، ولا في الأزقة الضيقة لمدينة الخليل.
بدأت في غرفة مستشفى، أمام سرير طفلة كانت الحياة تنسحب من جسدها ببطء.
كان المرض نادرا، وقاسيا، وغامضا، وكنت أفقد يقيني بأن الغد سيحمل لنا خبرا مختلفا.
انحصر كل العالم في غرفة إبنتي … ثم جاء الطبيب، كان فلسطينيا، دخل بهدوء، كما يدخل الأمل حينما يعترينا اليأس… وعدني بأن ينقذ ابنتي وهو يتحدث عن أطفال شهداء في فلسطين لم تمهله الحياة فرصة لإنقاذهم.
أمام محياه الذي تلبس فيه الإصرار بالوجع، وعدته بأن أبقى صوت الأطفال الفلسطينيين ما حييت وأن أحمل قضيتهم في قلبي، وأن أقف إلى جانبهم ما استطعت إليه سبيلا.
ودبت الحياة من جديد في جسد ابنتي، أنقذها الطبيب الفلسطيني دون أن ينتظر مني وعدا ودون أن يعلم أن فلسطين لم تعد في نظري جرحا نازفا في جسد الإنسانية ولا خبرا في نشرة، ولا قضية أتابعها من بعيد.
لقد صارت وجها أعرفه، ويدا امتدت إلينا في أصعب لحظات حياتنا، ودينا أخلاقيا شعرت أن عليّ الوفاء به.
ولما سنحت لي الفرصة لزيارة فلسطين، ذهبت لأقتفي أثر الحكايات التي رأيتها في عيني الطبيب الفلسطيني الذي عرفته قبل أن أعرف أرضه.
وذهبت، وداخلي رغبة جامحة في فهم كيفية ولادة هذا القدر من الرحمة في أرض تعرف كل هذا القدر من الألم، وكيفية حفاظ شعب يعيش تحت الاحتلال على إنسانيته، وعلى قدرته المدهشة على منح الحياة للآخرين، رغم كل شيء.
مضيت في رحلتي، دون أن أتردد أو أفكر كثيرا، كان ضميري وعاطفتي يقودانني، ولم أدرك حينها أن الرحلة ستغيّرني إلى هذا الحد.
كنت أظن أنني ذاهبة لأوفي بوعد قديم، لكنني عدت وأنا أحمل وعدًا أكبر، أن أحكي ما رأيته، لأن بعض الحكايات لا يجوز أن تبقى حبيسة أصحابها، ولأن بعض الأوطان تُعرف من ملامح وجوه ناسها، لا من خرائطها التي التهمها الاحتلال.
هناك رحلات لا يعود منها الإنسان كما ذهب، فبعض الأماكن تعيد تشكيلك من الداخل وتترك في الروح أثرا لا يمحوه الزمن، وفلسطين بالنسبة إلي واحدة منها.
لم أذهب إليها سائحة، ولم أحمل معي برنامجا لزيارة المعالم التاريخية أو التقاط الصور التذكارية. سافرت في إطار مهمة إنسانية، لكنني كنت أحمل أيضا أسئلة قديمة، ورغبة صادقة في أن أرى بعيني ما عجزت الأخبار عن نقله، وأن أصغي إلى أصوات الناس بعيدا عن ضجيج السياسة.
كنت أعلم أن الرحلة لن تكون سهلة، وكنت أعرف أنني سأمر عبر الحواجز، وأنني سأخضع للاستجواب والتفتيش، وأن العبور إلى هذه الأرض قد يتحول إلى امتحان طويل.
لكنني لم أتوقع أن يكون الاختبار الحقيقي ما سأعيشه بعد ذلك، حين أيقنتُ أن فلسطين تجربة إنسانية كاملة، تختبر فيك معاني العدالة والكرامة والصبر.
وارتباطي بفلسطين ليس وليد هذه الرحلة، جذوره أقدم بكثير تعود إلى سنوات الدراسة، كنت أرتاد ثانوية فرنسية ضمت طلابا من جنسيات متعددة. هناك التقيت للمرة الأولى بشبان فلسطينيين، كما تعرفت إلى لاجئين قدموا من جنوب لبنان. لم يرووا حكايات سياسية، كانت أحاديثهم عن بيوت تركوا فيها ذكرياتهم، وأقارب غابوا، وطفولة توقفت قبل أوانها. كانت تلك الشهادات الأولى التي حولت فلسطين في وجداني إلى وجوه أعرفها وأسماء أحفظها.
وفي تلك السنوات، أيضا، عرفت ابنة الرئيس الراحل ياسر عرفات. لم أكن أدرك آنذاك أن تلك اللقاءات العابرة سترافقني سنوات طويلة، وأنها ستقودني، بعد زمن، إلى هذه الرحلة.
قبل السفر بأسابيع، كانت صديقة فلسطينية تقيم في الضفة الغربية تهيئني لما ينتظرني. أغفلت في حديثها الفنادق ووسائل النقل، وركّزت على التحقيقات الطويلة، والأسئلة المتكررة، والكلمات التي قد تثير الشبهات. أوصتني بألا أذكر كلمة “فلسطين” عند الوصول، وأن أصف زيارتي بأنها رحلة دينية لزيارة الأماكن المقدسة. كان ذلك أول درس أتلقاه قبل أن أصل، في الأراضي الفلسطينية المحتلة حتى الكلمات تخضع للتفتيش.
بدأت الرحلة من حاجز قلنديا، أحد أكثر المعابر اكتظاظا بين القدس ورام الله حيث يصبح الانتظار جزءا من الحياة، وتتحول الساعات إلى روتين يومي يعيشه آلاف الفلسطينيين.
راقبت الوجوه من حولي، طلاب وعمال، ونساء يحملن أطفالهن، جميعهم ينتظرون الإذن بالمرور، حينهاأدركت أن الاحتلال يفرض الحدود ويسرق من وقت الناس وأعمارهم.
وعندما دخلت رام الله، فوجئت بمدينة تنبض بالحياة، كنت أتوقع مدينة مثقلة بالحزن، لكنني وجدت مقاهي مزدحمة، وشوارع تعج بالشباب، ومكتبات ومعارض فنية وجامعات تعج بالطلبة.
كانت المشهدية تتعدى إنكار الواقع لتشكّل وجها آخر للمقاومة يصبح معه استمرار الحياة فعلا يوميا في مواجهة كل ما يحاول تعطيلها.
في جامعة أبو ديس، حيث أمهلني القدر فسحة لأترك أثرا وجدت آثار اقتحام عسكري وقع قبل أيام قليلة.
كان المكان يحتفظ بصدى الرصاص والخوف، وعلمت أن عددا من الطلاب أصيبوا خلال احتجاج تضامني مع الأسرى الفلسطينيين.
حينها غادرت القصص التي سمعتها طوال سنوات مكانها البعيد وصارت مشاهد حقيقية رأيتها بأم عيني، ووجوها جلتُ في ملامحها وأصواتا بقيت عالقة في ذاكرتي.
وفي رام الله، قادتني خطواتي إلى مبنى المقاطعة، المكان الذي ارتبط بآخر سنوات حياة ياسر عرفات، الرئيس الفلسطيني الراحل الذي عاش هناك محاصرا حتى وفاته سنة 2004. هناك، مازال مكتبه، وغرفته، وبعض أغراضه الشخصية، ترشح بأثر رجل عاش أيامه الأخيرة وسط الحصار، متمسكا بصورة وطن حلم أن يعود إليه.
وقبل الدخول إلى المكان، صودِر جواز سفري، بدأت مرحلة جديدة من الانتظار والأسئلة، ساعات طويلة من الترقب، وسط إجراءات أمنية مشددة.
كان المشهد ثقيلًا، رجال بوجوه مخفية، وأسلحة، ونظرات تراقب كل حركة، لكن كل شيء تغيّر عندما عرفوا أنني تونسية.
كانت لحظات مكثّفة، فجأة تحولت الجنسية من معلومة في جواز سفر إلى رابط يحمل ذاكرة مشتركة، فلتونس مكانة خاصة في التاريخ الفلسطيني، احتضنت منظمة التحرير الفلسطينية لسنوات طويلة، وعاش ياسر عرفات على أرضها، ومنها واصل جزءا كبيرا من نضاله السياسي. كما أن معرفتي السابقة بعدد من أفراد محيطه جعلت ذلك الباب الذي بدا في الأول موصدا تماما ينفتح قليلا.
لكن تاريخ فلسطين لا يتجلى فقط في المقرات السياسية، بل في البيوت القديمة أيضا. ففي دار زهران، إحدى أقدم منازل رام الله، دخلت إلى ذاكرة عائلة فلسطينية امتدت لأكثر من قرنين ونصف. كانت الصور المعلقة على الجدران أشبه بسجل مفتوح لفلسطين قبل النكبة وبعدها. وجوه لعائلات عاشت على هذه الأرض، وصور لمن غادروا قسرًا، وذكريات أبت أن تمحيها السنوات.
في تلك الصور رأيت حكاية شعب كامل، مسلمون ومسيحيون جمعهم المكان، وفرقتهم النكبات، لكنهم ظلوا يحملون ذاكرة الأرض.
وفي متحف محمود درويش، شعرت أن الشعر يمكن أن يصبح وطنا حين تضيق الأوطان. المخطوطات، والكتب، والأغراض الشخصية للشاعر الكبير، كانت تروي كيف تتحول الكلمة إلى مساحة للنجاة، وكيف يصبح الحرف وسيلة لحفظ الهوية.
بين المعروضات، لفتتني ميدالية قدمتها تونس لمحمود درويش، كانت إشارة إلى علاقة وجدانية عميقة بين شعبين تقاطعت أحلامهما وذاكرتهما.
غادرت رام الله باتجاه بيت لحم، ومع كل كيلومتر كانت صورة المكان تتغير، وظهرت الطرق المخصصة للصهاينة، وانتشرت المستوطنات فوق التلال، وأصبحت الحواجز جزءا من المشهد اليومي.
شعرت أن الجغرافيا نفسها تحمل آثار الانقسام، وأن الطريق الذي يبدو قصيرا على الخريطة قد يتحول إلى رحلة طويلة بسبب القيود المفروضة على الحركة.
ومع ذلك، حافظت بيت لحم على روحها الخاصة، مدينة تحمل تاريخا دينيا عريقا، يعيش فيها المسلمون والمسيحيون جنبا إلى جنب منذ أجيال. في شوارعها يمكن للمرء أن ينتقل خلال دقائق بين كنيسة ومسجد، بين ذاكرة روحية وتاريخ اجتماعي مشترك.
ثم وصلت إلى الخليل، المدينة التي تحمل طبقات متراكمة من التاريخ والألم. هناك زرت أحد أقدم مصانع الخزف الفلسطيني، حيث ما زال الحرفيون يحافظون على تقليد يعود إلى قرون. كما زرت مصنع “حرباوي”، آخر مصنع فلسطيني للكوفية التقليدية التي أصبحت رمزا عالميا للقضية الفلسطينية، وارتبطت بصورة ياسر عرفات.
وفي الخليل غصت ذاكرتي بالأماكن والوجوه، واستقبلتني عائلة فلسطينية ببيتها حول طبق “المقلوبة” بالدجاج، كان الطعام بسيطا، والحفاوة عميقة، ووجدت أشخاصا يفتحون أبوابهم رغم ضيق البيوت، ويقدمون ما لديهم رغم قسوة الظروف.
في كل مدينة وقرية مررت بها، كان هناك من يقدم لي كوب شاي أو قهوة أو ثمرة فاكهة، أناس يعيشون تحت ضغط يومي، لكنهم يملكون قدرة نادرة على الاحتفاء بالآخر.
غير أن الخليل لم تكن فقط مدينة الضيافة، كانت أيضًا المكان الذي رأيت فيه وجهًا آخر للحياة تحت الاحتلال.
بعد ساعات قليلة من تلك الوجبة، وجدنا أنفسنا عالقين خلف بوابات معدنية ضخمة، لم يكن هناك تفسير واضح لمنع العبور، فقط انتظار طويل وصمت ثقيل.
وفي قلب ذلك الانتظار، فتح لنا شاب فلسطيني باب منزله.
كان منزل ذلك الشاب الفلسطيني في الخليل محاصرا بالمستوطنات من كل الجهات، بيت صغير يقف وحيدا وسط واقع شديد القسوة، تحيط به مستوطنات توسعت حوله، وكأن وجوده ذاته أصبح فعل تمسك بالأرض.
من بين جيرانه كان ابن وزير “صهيوني” معروف بمواقفه المتطرفة.
أخبرنا أن عروضا مالية كثيرة قُدمت له كي يغادر منزله، لكنه رفض. لم يكن مجرد منزل، إنه آخر ما تبقى من ارتباطه بالمكان، ومن حقه في البقاء.
في غرفة أطفاله، كانت آثار اعتداءات المستوطنين لا تزال واضحة، وعلى سطح المنزل، لم يكن المشهد أقل توترًا، فما إن صعدنا حتى أصبحت الأسلحة موجهة نحونا.
لحظات قصيرة، لكنها كانت كافية لفهم معنى أن يعيش الإنسان تحت مراقبة دائمة، وأن يتحول أبسط تفاصيل الحياة إلى اختبار للصبر.
جلسنا نستمع إلى حكايته التي كانت صورة مصغرة عن معاناة عائلات كثيرة، حدثنا عن والدته التي كانت حاملا حين منعها حاجز عسكري من الوصول إلى المستشفى. اضطرت إلى وضع مولودها في ظروف قاسية، ولم ينجُ وبعد النزيف الشديد دخلت في غيبوبة.
تحدث أيضا عن سنوات الفقر والحرمان التي عاشها، وعن مرحلة فقد فيها القدرة على رؤية مستقبل مختلف قبل أن يجد طريقه من جديد ويحاول بناء حياته.
كنت أستمع إليه وأدرك أن خلف كل خبر عابر آلاف القصص التي لا تصل إلى أحد، خلف كل حاجز أم، وخلف كل منزل مهدد عائلة، وخلف كل رقم إنسان له اسم وذاكرة وحلم.
وعندما حان وقت المغادرة في تلك الليلة، لم تكن الطرق مفتوحة أمامنا، اضطررنا إلى عبور طريق آخر. كان الظلام يحيط بنا، وفجأة ظهر ضوء أخضر يتحرك فوق أجسادنا، كان ضوء تصويب سلاح يراقبنا، وفي السماء كان هناك طائرة مسيّرة تتابع خطواتنا بصمت.
في تلك اللحظة، أيقنتُ أن الاحتلال ليس فقط جدارا أو حاجزا أو مستوطنة، هو شعور دائم بأنك مراقَب، وأن أبسط حركة يمكن أن تصبح مصدر خوف.
واصلت رحلتي بين القرى الفلسطينية، ومنها قرية زعترة، حيث زرت عائلات تعيش ظروفا مأساوية.
في البدء، كان الحذر جاثما في العيون، غرباء يأتون إلى مكان اعتاد أهله أن يكونوا موضع مراقبة وأسئلة، لكن ما إن انطلق الحديث حتى تبدل كل شيء، وحضرت الابتسامات، ثم الشاي، ثم الحكايات.
مرة أخرى اكتشفت أن الفلسطينيين يملكون قدرة استثنائية على تحويل الضيف إلى فرد من العائلة.
لكن المحطة التي تركت في داخلي الأثر الأكبر كانت مخيم عايدة للاجئين في بيت لحم، منذ أن وضعت قدمي على أعتابه شعرتُ بثقل المكان.
الأمر لا يتعلق بمساحته أو مبانيه فقط، بل بسبب الذاكرة التي تسكن جدرانه، هنا يعيش أبناء وأحفاد فلسطينيين هُجّروا خلال نكبة عام 1948. مخيم تأسس سنة 1950 تحت إشراف وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وتحول مع مرور الزمن إلى عنوان دائم للانتظار.
في مساحة ضيقة تعادل تقريبا بضعة ملاعب لكرة القدم، يعيش آلاف اللاجئين، البيوت متلاصقة، والمياه لا تصل بانتظام، والمخيم محاصر بالجدار الفاصل والمستوطنات والمواقع العسكرية.
لكن ما أثارني أكثر لم يكن حجم المعاناة، كانت قوة الناس في مواجهة هذه المعاناة.
في عايدة، رأيت أطفالًا يضحكون ويلعبون، وشبابا يحاولون بناء مستقبل مختلف، وعائلات تصر على استقبال الآخرين رغم كل ما ينقصها.
هناك التقيت أنس أبو سرور، المدير التنفيذي لمركز شباب عايدة، رجل اختار أن يكرس حياته للأطفال والشباب في المخيم. كان قد اعتُقل من قبل جيش الاحتلال في 28 نوفمبر 2023، وبقي رهن الاحتجاز 253 يومًا دون محاكمة أو تهمة واضحة، وفق شهادته.
بعد خروجه من الاعتقال، لم يتخل عن عمله، عاد إلى المكان نفسه، إلى الأطفال أنفسهم، مؤمنًا بأن توفير مساحة للثقافة والرياضة وسيلة لحماية جيل كامل من فقدان الأمل.
بالنسبة لأطفال عايدة، لم يكن ملعب كرة القدم مجرد مساحة للعب، كان نافذة صغيرة على حياة طبيعية يحرمون منها في كثير من الأحيان. لذلك كان التهديد بهدم هذا الملعب مصدر قلق كبير لسكان المخيم. وقد تحدثت تقارير إعلامية عن تعليق قرار الهدم بعد ضغوط من جهات رياضية دولية، بينها FIFA وUEFA، لكن مصير المكان ظل غير محسوم.
وأمام كل ذلك، بقي السؤال نفسه يطاردني: كيف يستطيع الإنسان أن يحافظ على الأمل في مكان يبدو أن كل الظروف تدفعه إلى فقدانه؟
وجدت الإجابة في وجوه الأطفال، وفي ضحكاتهم، وفي إصرارهم على اللعب، وفي رغبتهم بأن يكون لهم مستقبل مختلف.
وخلال رحلتي إلى فلسطين ، التقيتُ الطلبة الذين حاولتُ أن أقدم لهم دعما بسيطا حتى يتمكنوا من متابعة مسارهم الجامعي، ووجدت
أنهم جميعًا اجتازوا عامهم الدراسي بنجاح، حينها ازدادت قناعتي بأننا لا نغيّر العالم كله، لكننا قادرون على تغيير حياة إنسان، ومنحه فرصة كان يمكن أن تضيع.
عندما غادرت فلسطين، لم أحمل معي فقط مئات الصور وساعات من التسجيلات، بل حملت وجوها وأصواتا وذكريات ستبقى معي ما حييتُ.
حملت صورة الأم التي تحدت الظروف، وصورة الطفل الذي يلعب في مخيم محاصر، وصورة العائلة التي فتحت بيتها رغم ضيق حالها، وصورة الشباب الذين يواصلون الدراسة والعمل والحلم رغم كل القيود.
عدت وأنا أكثر اقتناعًا بأن فلسطين لا يمكن اختزالها في أرقام أو تقارير أو عناوين سياسية. فخلف كل خبر هناك إنسان، وخلف كل إحصائية هناك عائلة، وخلف كل صورة هناك قصة تنتظر من يسمعها.
تعلمت من هذه الرحلة أن المقاومة قد تكمن في أمّ تواصل الحياة رغم الفقد، أو طفل يتمسك بحقه في اللعب، أو طالب يصر على التعليم، أو عائلة تصر على البقاء في بيتها.
كانت فلسطين اختبارا للعين والقلب معًا، جعلتني أرى أشياء لم أكن أستطيع تجاهلها، وأسمع أصواتًا لا يمكن نسيانها، لم أعد بعدها الشخص نفسه في بداية الرحلة، وعدت من فلسطين، لكن جزءًا مني بقي هناك.
بقي في الأزقة القديمة، وفي وجوه الأطفال، وفي أكواب الشاي التي قُدمت لي، وفي الحكايات التي سمعتها من أناس لم يفقدوا قدرتهم على الحلم.
هذه ليست شهادة عن رحلة إلى فلسطين، إنها حكايتها التي عادت معي، واستقرت في داخلي، وأصبحت جزءا من مسؤوليتي وذاكرتي.