تعود “لباس” الى تونس وضمن أيام قرطاج الموسيقية في دورته الحادية عشرة، لتذكرنا بأن كل شيئ سيكون “لباس” مادمنا نغني ونرقص ونحيا بالفن. وكل ماهو سيئ وصعب سيمر، وما علينا سوى أن نتأمّل في جمال الحياة ونحبّها، حتى في أكثر لحظاتها قسوة. ولعلّ هذا ما تمنحنا إيّاه الموسيقى… مساحة نستعيد فيها أنفاسنا ونؤمن بأن الحياة لاتزال تحمل لنا مفاجئات تفرحنا.
افتتح نجيم سهرته بأغنية “الكاس يدور” والتي لم يتوقّعها الجمهور، ففي لحظة واحدة، تغيّرت تعابير الوجوه، ونهض الجالسون من أماكنهم دون أن يشعروا، وبدأت الأجساد تتحرّك على إيقاع الموسيقى. لم يحتج الأمر الى دعوة أو مقدّمة طويلة. كانت النغمات كافية لتعلن انطلاق الرحلة، رحلة لم يكن فيها الجمهور مجرّد متفرج بل جزءا من العرض، يردّد ريرقص كأنّه يعرف مسبقا كلّ ماسيحدث.
هل للتونسيين أصول لاتينية؟ لا بدّ من ذلك!
لم أجد تفسيرا آخر، فحركات جمهور “لباس” توحي بأنّ للتونسيين أصولا لاتينية خفيّة. كيف لنا أن نتقن كل تلك الحركات، وأن نتماهى مع إيقاعات الفلامنكو والرومبا، كأن أجسادنا تعرفها منذ زمن بعيد؟ كيف لألحانهم أن تتسلّل إلينا بهذه السهولة، وأن تجعلنا نشعر بكلّ كلمة، حتى حين لا ننتبه إلى معناها، وأن نترك الموسيقى تقود أجسادنا دون أن نستأذن عقولنا؟ هناك شيء في موسيقى «لباس» يتجاوز مجرّد الاستماع، فبمجرّد أن تبدأ النغمات يصبح الجسد شريك في الحكاية، تهزّه الإيقاعات وتستدرج قدميه إلى الرقص، وتدفعه إلى التعبير عن مشاعر قد لا تجد الكلمات طريقا إليها.
لكل واحد عالمه الخاص مع “لباس”
ومع “لباس”، يخلق كلّ عالمه الخاص. فالبعض يستحضر غربته أو عائلته عند استماعه لأغنية “Ma liberté” فيما يوقظ اللحن في اخرين حنينا وشوقا لأشخاص وأماكن تركوها خلفهم. والبعض الآخر تراه يركّز على نجيم وعلى مدى تمسّكه بقيتارته، كأنّها حبيبته التي صمدت إلى جانبه على مرّ السنين، وسافرت معه وشاركت في التعبير عن حبّه للموسيقى. هي أكثر من مجرّد آلة موسيقية، فهي جزء منه وامتداد لصوته ورفيقته في رحلة لم تنته بعد. وبين هذا وذاك، يحمل البعض هواتفهم لتخليد اللحظة، بينما يختار آخرون أن يعيشوها دون وسيط وأن يتركو لذاكرتهم مهمّة الإحتفاظ بها.
فلسطين حاضرة دائما وأبدا..
ووسط كل هذا الفرح، يستحضر نجيم فلسطين بأغنية “Palestina” ليذكّرنا بأنّ الموسيقى ليست منفصلة عن العالم الذي نعيش فيه ولا عن القضايا التي تسكن وجداننا. قد تكون الحفلات مساحة للرقص والإحتفال، ولكنها قادرة أيضا على احتضان مواقفنا ومنحنا مساحة للتعبير عمّا نؤمن به. فليس بالضرورة أن يتناقض الفرح مع التضامن. يمكن لكليهما أن يجتمعا في اللحظة نفسها تماما كما تجتمع في الموسيقى مشاعر الفرح والحنين والحزن والأمل.
وبعيدا عن القيتار والأغاني، يخلق نجيم علاقة خاصة مع جمهوره اذ يحادثهم كأنهم أصدقاؤه الذين التقاهم بعد فترة من الغياب، يمازحهم وينزل من الركح ويدعوهم الى الإقتراب أكثر وإطلاق العنان لأنفسهم. لا يرغب نجيم في الحفاظ على المسافة التي يفرضها الركح عادة بين الفنان والجمهور، بل يسعى إلى الغائها. في تلك اللحظة، لا يعود هناك فنان يؤدي وجمهور يشاهد، بل مجموعة من الأشخاص يتشاركون الموسيقى وينسجون معا تفاصيل ليلة يصعب اختزالها في قائمة أغان أو صور.
ثلاثة وعشرون عاما، وما زالت «لباس» تغنّي.
لم تتغيّر «لباس» بقدر ما تراكمت تجربتها، وتعمّق ارتباطها بجمهورها. بل إنّ الطاقة التي تحملها إلى الركح تبدو، مع مرور السنوات، أكثر حضورا وقوّة. أمّا شغف نجيم، فيظهر في كلّ ابتسامة رسمت على وجهه، سواء كانت موجّهة إلى الجمهور أو متبادلة بينه وبين أعضاء الفرقة. هناك شيء من العفوية في تلك الابتسامات، شيء لا يبدو مصطنعا أو مفروضا، بل يشبه فرحة شخص لا يزال يجد في ما يفعله سببا كافيا للاستمرار.
نحن «لباس»، ما دامت «لباس» تغنّي. وما دمنا نجد في الموسيقى ما يجمعنا، ويحرّك فينا ما ظننا أنّنا نسيناه، ثمّة دائمًا ما يدعونا إلى مواصلة الرقص، وإلى التمسّك بجمال الحياة، حتى حين لا تكون كل الأشياء بخير.
هديل الهمّامي