يمثل الموروث الموسيقي في تجربة خليل الهنتاتي، المعروف فنيا بخليل إيبي، مدخلا إلى استكشاف ما لا يزال حيّا في الذاكرة الجماعية، وما تختزنه الأصوات والإيقاعات من آثار الحياة اليومية والممارسات الاجتماعية والطقوس التي تناقلتها الأجيال.
من هذا المنطلق، يكتسب عرض “TUQUS – طقوس”، المبرمج ضمن الدورة الثامنة من مهرجان جو تونس 2026، دلالته ضمن مسار فني يجعل من الموسيقى التقليدية مجالا للبحث وإعادة الاكتشاف، ويضعها في حوار مع التعبيرات الإلكترونية والوسائط البصرية المعاصرة.
ويجد هذا التوجّه امتدادا واضحا في مشروع “عيشوشة”، الذي أنجزه خليل الهنتاتي في صيغة فنية مزدوجة تجمع بين الفيلم والحفل الموسيقي، ضمن تجربة سمعية بصرية غامرة تمزج الموسيقى الإلكترونية بمقاطع فيديو صُوّرت خلال رحلة عبر مناطق مختلفة من تونس.
في ذلك المشروع، لم يكن الاشتغال على الموروث مجرّد استعادة لألوان موسيقية متوارثة، إنما محاولة للإنصات إلى تعبيرات ما زالت تمارس حياتها داخل مجتمعاتها، من المالوف إلى إنشاد الطريقة العيساوية، ومن طبّال قرقنة وأهازيج طائفة غبنتن بمدنين إلى أغاني النسوة بالرقاب وأهازيج الركروكي من جبل سمامة.
تكشف هذه الاختيارات عن اهتمام بالموسيقى في سياقاتها الحيّة، حيث لا ينفصل الصوت عن الجماعة التي تحمله، ولا عن المكان الذي يمنحه خصوصيته. فالمالوف، وإنشاد العيساوية، وإيقاعات غبنتن وأهازيج الركروكي تعبيرات عن تجارب اجتماعية وثقافية متباينة، تتداخل فيها الذاكرة بالطقس، والغناء بالممارسة الجماعية، والإيقاع بأشكال التعبير عن الانتماء.
ومن خلال جمع هذه العناصر داخل بناء سمعي بصري معاصر، يفتح الهنتاتي في مشاريعه الموسيقية المجال أمام إعادة الإصغاء إلى هذا الرصيد خارج القوالب التي قد تحصره في صورة فولكلورية ثابتة.
وتنبع أهمية هذا الاشتغال من الانتباه إلى أن هذه الممارسات مازالت جزءا من الحاضر. فالموروث، في هذه المقاربة، ليس أثرا منقطعا عن الحياة، ولا ذاكرة لا تستعيد حضورها إلا في المناسبات الاحتفالية، إنّه ممارسة متواصلة، تتجدّد مع كل أداء، وتحمل في تكرارها وتحولاتها آثار الجماعات التي تنتجها وتحافظ عليها.
وفي هذا السياق، يصبح التصوير والتسجيل وإعادة بناء المادة الموسيقية وسائل للاقتراب من هذه الذاكرة، دون اختزالها في وثيقة جامدة أو فصلها عن سياقاتها الإنسانية.
وإذا كان “عيشوشة” ينطلق من رحلة داخل البلاد التونسية، مستكشفا تنوّع تعبيراتها الموسيقية والشعبية، فإنّ “طقوس” يفتح نافذة على تقاليد تمتد من اليونان إلى فلسطين، ومن مصر إلى المغرب، وصولا إلى إيطاليا وتونس.
ويتعلق السؤال بتعدّد الأنماط الموسيقية وبما يمكن أن تكشفه هذه التقاليد، على اختلاف سياقاتها، عن علاقة الإنسان بالإيقاع والجسد والجماعة.
هذا الانتقال من المحلي إلى المتوسطي يتقاطع مع البحث عن جذور واحدة وافتراض تشابه بين الطقوس المختلفة، ويتيح التفكير في أوجه التلاقي والاختلاف بينها. فلكل ممارسة موسيقية سياقها التاريخي والاجتماعي، غير أنّ حضور الإيقاع والتكرار والإنشاد والحركة في عدد من الطقوس الجماعية يفتح مجالا للتأمل في الوظائف التي تؤديها الموسيقى داخل المجتمعات، وفي قدرتها على خلق روابط تتجاوز حدود التعبير الفردي.
ويحتل الإيقاع موقعا أساسيا في “طقوس”، فالتكرار تقنية لبناء الموسيقى، وعنصر قادر على تغيير علاقة المستمع بالصوت، واستدراج الجسد إلى الحركة، وتحويل الإصغاء من تجربة فردية إلى مشاركة جماعية.
ومع تراكم النبضات، يتشكّل مجال للتواصل لا يحتاج بالضرورة إلى لغة مشتركة، إذ يصبح الجسد نفسه طرفا في التجربة، وتغدو الحركة وسيلة للتفاعل مع الصوت ومع الآخرين.
ويمنح البعد البصري هذه المقاربة امتدادا آخر، إذ يتيح الانتقال من الصوت إلى الصورة، ومن الأثر الموسيقي إلى الفضاء الذي نشأ فيه.
في “عيشوشة”، تتصل المقاطع المصوّرة برحلة عبر مناطق تونسية مختلفة، بما يضع الموسيقى في علاقة مع جغرافيتها ومحيطها الثقافي.
وفي “طقوس”، تتسع الرؤية لتشمل مجالا متوسّطيا متعدّد التعبيرات، ولا يقتصر المشروع على تقديم تجربة موسيقية، بل يفتح مجالا لاستكشاف العلاقة بين الصوت والصورة والمكان والذاكرة.
بين المشروعين، تكمن المسألة في اتّساع مجال البحث نفسه، من الإنصات إلى تنوّع الممارسات الشعبية التونسية إلى استكشاف الطقوس الموسيقية في فضاء أرحب، مع الاحتفاظ بالسؤال الأساسي حول ما يجعل الموروث قابلا للحياة والتجدّد.
وتبدو تجربة خليل إيبي محاولة لبناء علاقة مع الذاكرة تنفتح فيها الأصوات التونسية على إعادة اكتشاف غناها وتعدّد سياقاتها ويصبح فيها الإيقاع مدخلا إلى تأمل أشكال التعبير الجماعي في ضفاف المتوسط.
وفي “عيشوشة” و”طقوس” لا ينفصل التجريب الإلكتروني عن الموروث، ويمثل وسيلة لاختبار إمكاناته، بحثا عن أصوات مازالت قادرة على وصل الإنسان بمكانه، وجماعته بذاكرتها، والحاضر بما لم ينقطع عن الحياة.