شكّلت الدورة الأولى من مهرجان سبيطلة الدولي للراب محاولة لفتح ركح أثري على موسيقى تنتمي في جوهرها إلى الشارع، وإلى اليومي، وإلى أسئلة جيل اختار الراب لغة للتعبير عن نفسه.
ومن المسرح الأثري بسبيطلة، حيث تعانق أصوات الحاضر الحجارة الضاربة في القدم، بدأت الحكاية بأبناء الجهة قبل أن تنتقل إلى واحد من أبرز أسماء الراب التونسي، بلطي.
كان حبيب وسيف أول من اعتلى الركح، في مساحة بدت أقرب إلى تقديم الذات أمام جمهور يعرف تفاصيل المكان ويصغي إلى أبنائه، قدما تجربتين مختلفتين في الأسلوب، لكنهما تلتقيان في الانحياز إلى اليومي.
كلمات تخرج من تفاصيل الحياة، من الشارع ومن أسئلة جيل يجد في الراب مساحة لقول ما لا تقوله الأشكال الموسيقية الأخرى بالسهولة نفسها. وموسيقى تتأرجح بين الهدوء والانفعال، وبين الرغبة في التعبير والحاجة إلى الاحتجاج، وكأن الركح كان بالنسبة إليهما مساحة أولى لاختبار الصوت والهوية.
كان من المهم أن يبدأ المهرجان من أصوات شابة تنتمي إلى الجهة، ومن تجارب لم تصل بعد إلى كل المسارح، لتكون البداية نفسها تعبيرا عن أحد الرهانات المعلنة للمهرجان، وهو منح المواهب الشابة مساحة للتجريب والحضور والتعريف بأنفسها.
ثم اعتلى بلطي الركح، ليتغير إيقاع السهرة حيث تجاوز العرض تواتر سلسلة من الأغاني التي يعرفها الجمهور ويحفظ مقاطع منها، ليبدو لوحة متكاملة، تتداخل فيه الموسيقى بالصورة والحركة والإضاءة والكوريغرافيا.
وكانت كوريغرافيا مريم قرقوري جزءا أساسيا من هذا البناء، الراقصات والراقصون لم يكونوا جزءا من المشهدية البصرية للأغاني، لقد كانوا
يترجمون الموسيقى بأجسادهم، ويلاحقون إيقاعها ويتفاعلون مع تحولاتها.
حتى ملامح الراقصين كانت جزءا من الرقص؛ وجوه تتحرك مع النبرة، وتنفعل مع الكلمات وتمنح الجسد وظيفة أخرى تتجاوز الحركة إلى التعبير.
على إيقاع اللوحات الكوريغرافية التي نهلت من مدارس رقص مختلفة وكان بلطي بعفويته جزءا منها، تحول الركح إلى فضاء تتحرك فيه الأغنية بكامل عناصرها.
وفي الأثناء، كان بلطي واعيا بعلاقة الفنان بجمهوره، فهو لا يتعامل مع الحضور باعتباره كتلة جماهيرية فقط، وإنما طرفا أساسيا في صناعة العرض.
الغناء المشترك، والإيقاع الذي ينتقل من الركح إلى المدرجات، واستعادة الأغاني التي صنعت مراحل مختلفة من مسيرته، كلها جعلت السهرة أقرب إلى حوار طويل بين الفنان وجمهوره.
اختار بلطي أن يعود إلى البدايات وأن يضع أعماله القديمة إلى جانب الأحدث، في عرض يراهن على الذاكرة بقدر ما يتطلع إلى المستقبل.
حضرت “جاي من الريف للعاصمة”، و”يا حسرة”، و”Clandestino”، وغيرها من الأغاني التي صنعت جزءا من صورته لدى الجمهور التونسي والعربي، بينما ظل الحاضر حاضرا من خلال أعماله الجديدة وطريقة تقديمها.
ولعل هذا التوازن هو أحد مفاتيح تجربة بلطي، فالفنان الذي راكم سنوات طويلة في المشهد لا يتنكر لما صنع اسمه، لكنه لا يتعامل معه أيضا باعتباره نهاية الطريق.
وبين الأغنية والأخرى، كان الجمهور يتحول إلى جزء من العرض، أعمار مختلفة اجتمعت في المكان نفسه، شباب جاءوا من أجل الراب، وجمهور يعرف بلطي منذ سنواته الأولى، وآخرون وجدوا أنفسهم داخل سهرة تتجاوز التصنيفات العمرية والموسيقية.
وحين تتوحد الأصوات في مقطع محفوظ، يصبح واضحا أن بعض الأغاني لم تعد ملك أصحابها وحدهم، بل أصبحت جزءا من ذاكرة جمهورها.
وفي منتصف هذه الرحلة، حضر حمودة، ليشارك بلطي الركح في أداء “يا ليلي”، لحظة لم تحتج إلى كثير من التقديم، فقد تكفل الجمهور بالباقي، إذ ارتفعت الأصوات، وتحوّل الأداء إلى مشاركة جماعية.
وبعد أن ترك الركح لحمودة، عاد إليه أكثر حماسة إلى جمهوره، مواصلا العرض بإيقاع تصاعد تدريجيا حتى نهايته.
لكن أهمية السهرة لا تكمن فقط في أسماء الفنانين الذين شاركوا فيها، بل أيضا في الطريقة التي اختار بها المهرجان أن يضعهم داخل المكان.
سبيطلة، بتاريخها الأثري، بدت في تلك الليلة كأنها تدخل في حوار غير مألوف مع الراب، حجارة تحمل ذاكرة قرون، وموسيقى ولدت من تفاصيل الحياة المعاصرة، وركح يجمع بين الاثنين.
وفي هذه المفارقة تحديدا تكمن إحدى دلالات المهرجان وهي أن الثقافة والفنون في تجلياتها المختلفة ليست ذاكرة جامدة، والمكان التاريخي يمكن أن يستقبل أصواتا جديدة دون أن يفقد هويته.
وطيلة العرض، لم يكتف بلطي باستعادة ما يعرفه الجمهور، بل بدا خلال العرض وكأنه يختبر باستمرار إمكانية الذهاب إلى أبعد من ذلك.
فالفنان الذي حافظ على حضوره سنوات طويلة في مشهد سريع التحول، يعرف أن احترام الجمهور لا يعني تكرار ما نجح فقط، وإنما تقديم عرض يثبت أن التجربة لا تزال قادرة على التطور.
وبعد العرض، فتح بلطي نافذة على ما هو قادم، كاشفا عن تعاونات فنية منتظرة مع الفنان آدم والفنان المصري محمد منير، إلى جانب التحضير لألبوم جديد ينتظر أن يرى النور بعد انتهاء جولاته الصيفية.
وفي افتتاح مهرجان سبيطلة الدولي للراب كان بلطي يقف بين مرحلتين، ذاكرة صنعتها أغنيات رافقت الجمهور، ومستقبل يتهيأ له الفنان من خلال تعاونات وأعمال جديدة.
أما المهرجان، فقد اختار أن يبدأ من أبناء الجهة، ثم يفتح الركح على اسم جماهيري كبير، قبل أن يواصل برنامجه بأصوات تونسية وعربية ودولية مختلفة.
وبين حبيب وسيف وبلطي وحمودة، بدا الافتتاح وكأنه يعلن مبكرا عن الفكرة التي يريد المهرجان ترسيخها وهي أن الراب ليس صوتا واحدا، ولا تجربة مغلقة، وإنما فضاء واسع تتقاطع داخله اللهجات والأساليب والأجيال والذاكرة والواقع.
من سبيطلة، بدأ المهرجان بصوت أبناء المكان، ثم ارتفع الصوت مع بلطي، لكن الحكاية لن تنتهي عند حدود سهرة الافتتاح. فإلى غاية 14 أوت، يواصل المهرجان رحلته بين تجارب متعددة، في محاولة لصناعة موعد جديد للراب، لا يكتفي بجلب الجمهور إلى الركح، ويسعى أيضا إلى جعل الركح مساحة لاكتشاف أصوات جديدة، والاحتفاء بما راكمه هذا الفن، والنظر إلى ما يمكن أن يصبح عليه غدا.