في افتتاح الدورة السابعة لمهرجان عمّان السينمائي الدولي – أوّل فيلم، تجاوز شعار “ما وراء الإطار” الدعوة إلى التأمل في الصورة السينمائية، ليصبح بحثًا في كل ما تصنعه الصورة ولا يظهر داخلها.
وفي كلمتها الافتتاحية، تخطّت رئيسة المهرجان الأميرة ريم علي الترحيب بالحضور إلى تقديم قراءة لفلسفة الدورة والرؤية التي تتجلى في شعارها وتحكم اختياراته الفنية.
فقد قالت إن “ما وراء الإطار، تكمن الثقافة والذاكرة والتجارب التي نعيشها، فهي التي تمنح الأفلام مشاعرها وأصالتها وصوتها الخاص، وبالنسبة لصناع الأفلام العرب، فإن النظر إلى ما وراء الإطار يعني أيضاً استعادة روايتنا لقصصنا؛ فلطالما قرر الآخرون أي القصص تستحق أن تُروى وأيها يُترك خارج الإطار.”
بهذه الكلمات، انتقل الشعار من البعد البصري إلى بعد أكثر عمقًا، يتعلق بحق السينما العربية في امتلاك سرديتها الخاصة، بعيدًا عن الصور النمطية والروايات التي طالما صاغها الآخرون. إنها دعوة إلى النظر إلى السينما باعتبارها مساحة لاستعادة الذاكرة، لا مجرد صناعة للترفيه.
ولعل أولى ترجمات هذا التصور جاءت من خلال اختيار فيلم “صوفيا” للمخرج والممثل التونسي ظافر العابدين لافتتاح الدورة. ويكتسب هذا الاختيار دلالة خاصة، فمن جهة هو أحدث تجاربه الإخراجية الروائية الطويلة، ومن جهة أخرى يأتي ضمن احتفاء المهرجان بالسينما التونسية، عبر إلقاء الضوء على ستة من أبرز أعمالها، في تأكيد على المكانة التي أصبحت تحتلها هذه السينما داخل المشهد العربي.
وفي فيلمه الجديد، يراهن ظافر العابدين كما دأب في تجاربه السابقة على التفاصيل الصامتة وعلى ما يتخفى خلف السلوكات اليومية للشخصيات.
وفي تجربته الإخراجية التي يراكمها بأعمال ترتكز إلى قصص إنسانية وعاطفية يرويها كما يراها هو بعيدا عن الأغراض التجارية، حسب ما صرح ذات لقاء مع رياليتي أون لاين.
ومخاطبة وجدان المشاهد التي طالما تحدث عنها ظافر العابدين تدفع المتلقي إلى البحث عن المعنى خارج حدود اللقطة، وهذه إحدى أهم دلالات “ما وراء الإطار”.
الحقيقة ليست دائماً في مركز الصورة، بل أحيانا في الهامش، وفي الصمت، وفي الذاكرة المتوارية في تلابيب الحكاية.
ووراء الإطار، يواجه ظافر العابدين التحدي نفسه الذي يواجهه كثير من المخرجين وهو كيف تتحول الحساسية الإنسانية إلى بناء درامي متماسك لا يكتفي بالإيحاء؟
واختيار صوفيا لافتتاح الدورة يعكس ثقة المهرجان في التجربة السينمائية التونسية، وفي الأصوات العربية القادرة على تقديم رؤى مختلفة.
إذا كان “صوفيا” قد مثّل البعد الجمالي للشعار، فإن فقرة تكريم الفنان الفلسطيني الراحل محمد بكري منحت الشعار بعده الأخلاقي والسياسي. فقد تضمن الافتتاح لحظة مؤثرة بحضور عائلته، زوجته ليلى وأبناؤه الممثلون صالح وآدم ويافا، الذين تحدثوا عنه أبا وإنسانا وفنانا.
وهذا التكريم يحمل دلالة عميقة، فمحمد بكري لم يكن ممثلا بارزا في السينما العربية والفلسطينية فحسب، كان، أيضا، أحد أكثر الفنانين إيماناً بأن الصورة يمكن أن تكون شهادة ضد النسيان.
أعماله، سواء كممثل أو كمخرج، انشغلت دائما بما تحاول الروايات الرسمية إخفاءه واستندت إلى حكايات الإنسان العادي، وسرديات الذاكرة الجريحة، والحق في رواية القصّة من داخل التجربة الفلسطينية نفسها.
وحضور بكري، حتى بعد رحيله، بدا منسجما تماما مع شعار “ما وراء الإطار”، لأنه طالما دافع عنه في أعماله عن الصورة وعن الحقائق الكامنة خلفها.
ويأتي افتتاح المهرجان ليؤكد قدرة السينما العربية على حمل تجارب شعوبها والتعبير عن ذاكرتها الجماعية.
وإن كان المهرجان مخصصًا للأفلام الأولى، إلا أنه في الوقت نفسه يسعى إلى فتح نقاش أوسع حول موقع السينما العربية اليوم، وحول قدرتها على إعادة صياغة علاقتها بالعالم من خلال قصص تنبع من واقعها، لا من التصورات المسبقة عنها.
وفي زمن أصبحت فيه الصورة سريعة الاستهلاك، يتساءل مهرجان عمان السينمائي عماذا لو تمحورت كل أهمية الفيلم فيما تدفعنا الكاميرا إلى التفكير فيه بعد انطفاء الشاشة.
هنا، يصبح “ما وراء الإطار” دعوة إلى إعادة النظر في علاقتنا بالصورة، وبالذاكرة، وبالحكايات التي لم تجد مكانها داخل الكادر بعد.
عن فيلم “صوفيا”
من تأليف وإخراج وإنتاج ظافر العابدين، وبطولة جيسيكا براون فيندلي، وظافر العابدين، وجوناثان هايد، وقيس الستي، وهبة عبوك، ومايا سيلين غربي.
والفيلم الذي شهد عرضه العالمي الأول بمهرجان مراكش السينمائي الدولي، يروي قصة “إميلي” التي تسافر من لندن إلى تونس أملاً في إعادة الوصل بين ابنتها “صوفيا” وزوجها “هشام” بعد انفصالهما، لكن اختفاء “صوفيا” المفاجئ يحوّل الرحلة إلى كابوس، لتتكشف الأكاذيب والأسرار والخيانات، فيما تجد “إميلي” نفسها في سباق مع الزمن للعثور على ابنتها.