“هذا الموضوع لا يعني أيًّا منكم…”، كلمات قالها الفنان نوردو في الندوة الصحفية التي عقبت عرضه في مهرجان قرطاج الدولي…
قالها وكأنه يريد أن يحتفظ بحكايته لنفسه، وأن يضع بينها وبين الحاضرين مسافة آمنة، فالألم عنده شأن خاص لا يحق لأحد الاقتراب منه.
لكنه، من حيث لا يدري، كان يهيئ الجميع للدخول إلى أكثر المناطق إنسانية في تلك اللحظة.
لقد “أخطأ” نوردو.فحكايته صادقة إلى الحد الذي يجعلها تشبه حكايات الآخرين، فما إن بدأ يتحدث عن الطريق، حتى غادر صوته حدود سيرته الشخصية، وصار يتقاطع مع السير الصغيرة للوجوه التي كانت تجلس أمامه.
لم يعد يتحدث عن نفسه، بل عن ذلك الجزء الهش الذي نحمله جميعا، الجزء الذي يتشبه بالحلم وهو ينزف من الخيبات.
من منا لم يتأخر عنه حلمه؟
من منا لم يقف، ذات مساء، أمام باب أوشك أن يُفتح ثم أغلق في اللحظة الأخيرة؟
من منا لم يمد يده إلى شخص ظنه سندًا، فاكتشف أنه أول من تركها تنكسر؟
الخذلان، في النهاية، تجربة يعرفها البشر جميعًا، مهما اختلفت أعمارهم وأماكنهم، يغير فقط وجوهه وأسماءه، لكنه يترك الندبة ذاتها.
لهذا لم تكن كلمات نوردو تخصه وحده، كانت تخص كل من حمل مشروعا ولاقى صدّا، وكل من وضع قلبه في غير مكانه، وكل من اضطر أن يكمل الطريق وحده بعدما انسحب الرفاق.
وحين تحدث عن الذين خذلوه، رفض أن يذكر أسماءهم، ولعل هذا أكثر ما يستحق التوقف عنده.
فكثيرون حين يصلون، يفتشون في ذاكرتهم عن أسماء يهزمونها أمام الناس، ويحولون النجاح إلى منصة لتصفية الحسابات.
أما نوردو، فقد اختار طريقا أخرى، طوى الأشخاص في صمته، وروى بدلا منهم الأثر الذي تركوه فيه، اكتفى بأن يحدث عن التعب، وعن المسير، وعن الشعور الثقيل بأن الحلم قد يفلت منك وأنت تراه أمام عينيك.
لا معنى للأسماء فهي تتآكل وتُنسى معها الوقائع، أما الألم فيبقى، لكنه يتبدّل ويتحول من شيء يؤلم إلى شيء يدفعك نحو أحلامك.
وحينما عجزت الكلمات عن مواصلة المهمة، انسابت دموع نوردو وكأنه استعاد، دفعة واحدة، كل الطريق الذي عبره ليصل إلى هذه اللحظة.
كانت عبراته ذلكرة كاملة تسربت من العينين، ذاكرة الأيام التي بدا فيها الحلم بعيدًا، والليالي التي راوده فيها الشك، والمرات التي اضطر فيها إلى أن يقنع نفسه بأن يستمر، رغم أنه لم يعد يرى بوضوح ما الذي ينتظره في النهاية.
كان يمكن لنوردو أن يتحدث عن ملايين المشاهدات، وعن الأرقام، وعن النجاحات التي حققتها أغانيه.كان يمكن أن يقدم نفسه بوصفه أحد أكثر الفنانين حضورًا على المنصات الرقمية. لكنه، في تلك اللحظة، أسقط كل هذه العناوين، وعاد إلى الإنسان الذي كان قبل الشهرة، ذلك الشاب الذي يحمل حلمًا عانق الفرصة وصار نجاحا.
وربما لهذا السبب بكى،
لا لأن ركح قرطاج شهد ولادة عرض لم يكن مخاضه هينا، بل لأنه تذكر الطريق المؤدي إليه.
وفي تلك الدموع نفسها، كانت تسكن أيضًا أسماء أشخاص كتبوا فصلا آخر من الحكاية بعيدا عن أضواء الندوة الصحفية، المايسترو يوسف بالهاني والفرقة الوطنية للموسيقى الذين خاضوا سباقًا مع الزمن لإعادة توزيع ما يقارب عشرين أغنية في أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة.
ثمانٍ وأربعون ساعة فقط، تحولت فيها الأغنيات من صيغتها المألوفة إلى صيغة أوركسترالية، لا تلغي روحها، بل تمنحها نفسا جديدا يليق بركح قرطاج.
تقديم الأغاني بتوزيع جديد لم يكن محض إنجاز تقني، وإنما رسالة أخرى مفادها أن الأحلام الفردية لا تكتمل إلا حين تتحول إلى عمل جماعي، وأن النجاح، مهما بدا مرتبطا باسم واحد، يخفي خلفه حشدا من الأيادي التي آمنت بالفكرة قبل أن يصدقها الجمهور.
وحين انتهت الندوة، بقيت جملته المتعبة تتردد في الأذهان: “الموضوع قد لا يعني أيًّا منكم.”
لكن الحقيقة كانت على النقيض تماما.
لقد كان الموضوع يعني الجميع.
لأن الحكايات التي تنطلق من الصدق لا تبقى ملك أصحابها، تخرج منهم لتسكن الآخرين. ولأن كل إنسان، مهما بدا ناجحا أو مطمئنا، يحمل داخله قصة لم يروها لأحد، ودمعة مؤجلة، وحلما تأخر كثيرًا قبل أن يعثر أخيرا على ركحه الخاص.
54