لا يبدو “باب البنات… صبرية في السبعينات” مجرد عمل درامي يستعيد زمن السبعينات بقدر ما يبدو محاولة جمالية لقراءة الذاكرة التونسية من داخل الحنين نفسه.
في بنيته العميقة، لا يكتفي “باب البنات” باستعادة سبعينات القرن الماضي كخلفية زمنية أو كأجواء جمالية، بل يحاول تحويل تلك المرحلة إلى أداة تحليل للذاكرة الاجتماعية التونسية، فالماضي هنا ليس زمنا نعود إليه فقط، بل مرآة نرى فيها الحاضر بوضوح أكبر.
ولعل خصوصية هذا العمل تبدأ من لحظة ولادته نفسها، فالفكرة لم تنطلق من ورشة كتابة تقليدية أو من مشروع إنتاجي بحت، بل بدأت من حلم شخصي بعودة ما إلى زمن آخر، إلى عالم أبسط وأكثر دفئا، قبل أن يتحول هذا الحلم الذي راود وجيهة الجندوبي مادة سردية عندما التقطته السيناريست سامية عمامي.
وما قامت به سامية عمامي يتجاوز مجرد كتابة سيناريو، فهي كاتبة تدرك أن الحنين لا يكفي لصنع الدراما، لذلك اشتغلت على تفكيك الفكرة الأولى وإعادة تركيبها داخل بنية سردية متماسكة.
هي تعرف جيدا ديناميكيات الكوميديا الاجتماعية التونسية، لكنها في “باب البنات” تذهب إلى ما هو أبعد من الكوميديا المباشرة، إذ تكتب نصًا يقوم على مناورة دقيقة بين الضحك والتأمل.
فالسيتكوم، في ظاهره، يقدّم مواقف طريفة وحكايات يومية، لكنه في العمق يشتغل على تفكيك العلاقة بين زمنين : زمن السبعينات بما يحمله من رمزية اجتماعية وثقافية، وزمن الحاضر الذي تعيشه الشخصيات وهي مثقلة بأسئلة الواقع.
واختيار السبعينات ليس اعتباطيا، فهذه المرحلة تمثل في المخيال التونسي زمن التحولات الكبرى من صعود الطبقة الوسطى، وانتشار التعليم، وحضور قوي للحياة الثقافية، وإيمان واسع بفكرة التقدم الاجتماعي.
لذلك يتحول استحضار هذا الزمن في “باب البنات” إلى مقارنة ضمنية بين نموذجين للمجتمع.، المجتمع الأول يبدو أكثر تماسكا وبساطة في علاقاته، فيما يبدو المجتمع المعاصر أكثر تسارعا واستهلاكا وتعقيدا.
ولا يسقط النص في فخ التمجيد الكامل للماضي، بل يقدّم تلك المرحلة أيضا باعتبارها زمنا مليئا بالتناقضات، وهنا تظهر قدرة الكتابة على بناء شخصيات تعيش داخل هذه التوترات.
وفي قلب العمل تقف شخصية “تركية” التي جسدتها الفنانة منى نور الدين، وهي ليست مجرد امرأة مسنة تعيش في الماضي، بل هي تجسيد حي للذاكرة نفسها.
وما يجعل هذه الشخصية مثيرة دراميا هو أنها لا تعيش الماضي كذكرى، بل كواقع يومي، فهي تحيا وفق قيم ذلك الزمن من العمل اليدوي، والإيمان بالاستقلالية، والانخراط في القضايا الاجتماعية مثل نشاطها في الاتحاد النسائي.
منى نور الدين تقدّم الشخصية بأداء شديد الاقتصاد في الحركة والكلام في امتداد لمهنية ممثلة تجيد صنع المعنى عبر تفاصيل صغيرة في الوجه والصوت، والصمت الذي يرافق حضورها يمنحها عمقا إنسانيا يجعلها أقرب إلى رمز لجيل كامل.
إلى جانبها تقف “صبرية”، الشخصية التي تؤديها وجيهة الجندوبي، وهي ليست ابنة تحاول إرضاء أمها، بل هي شخصية مأزومة تعيش صراعا بين واجبها العائلي ورغبتها في حياة مختلفة.
ف”صبرية” تضطر إلى إعادة خلق عالم السبعينات داخل البيت كي لا تنصدم والدتها بواقع الزمن الحالي.
هذا الوضع يمنح الشخصية بعدا تراجيديا رغم إطارها الكوميدي فهي تبدو امرأة معلّقة بين زمنين، لا تستطيع مغادرة الماضي لأن والدتها تعيش فيه، ولا تستطيع الانتماء الكامل للحاضر لأنها فقدت جزءًا من حياتها في محاولة الحفاظ على ذلك العالم القديم.
الأداء الذي تقدمه وجيهة الجندوبي يعتمد على قدرتها اللافتة في الكوميديا، لكنها هنا تضيف إلى ذلك بعدا إنسانيا أكثر هدوءً
ا وتنسج الضحك من المفارقة بين الواقع والوهم الذي تعيشه الشخصية.
ولا يكتمل العالم الدرامي للعمل دون الشخصيات المحيطة بالثنائي الرئيسي، ومن بين أبرز هذه الشخصيات نجد “دلال”، المحامية التي تجسدها الممثلة “بيكا”، هذه الشخصية تمثل صوتا أكثر واقعية داخل الحكاية، فهي تذكّر صبرية باستمرار بضرورة العودة إلى الحياة الطبيعية.
أما ناجي القنواتي، فيقدم شخصية “شكيب” بأداء يمزج بين الكوميديا السوداء والارتباك الوجودي ليضيف طبقة من التوتر الدرامي داخل العمل.
وفي شخصية “رجاء” يبرز الممثل زهير الرايس الذي رسخ حضوره في التلفزة التونسية في فترة صارت رديفا للنوستالجيا، وهي شخصية تمزج بين الغموض والكاريزما وتلعب دورا مهما في تحريك الأحداث، يجعلها من أبرز الشخصيات في العمل.
كما يشارك في بناء هذا العالم الدرامي ممثلون آخرون مثل محمد الداهش وميساء ساسي وجهاد الشارني وعبد الكريم بناني ووليد العيادي، كل منهم يضيف جزءا من النسيج الاجتماعي الذي يتحرك داخله السيتكوم.
من الناحية البصرية، يواصل المخرج زياد ليتيم ترسيخ أسلوبه المعروف في تحويل التفاصيل اليومية إلى عناصر جمالية فالكاميرا لا تكتفي بتسجيل الأحداث، بل تعمل على بناء عالم بصري يعيد خلق السبعينات.
الألوان الدافئة، والأثاث القديم، والستائر الثقيلة، وحتى ترتيب الأشياء داخل البيت، كلها عناصر تعمل على خلق إحساس بصري يجعل المشاهد يشعر بأنه دخل بالفعل إلى زمن آخر.
في هذا الإطار لعبت عناصر مثل القيافة التي اهتم بها أيمن ستيفي والأزياء التي صممها سليم عاشور دورا أساسيا في إقناع المتفرج بصدق الزمن المستعاد.
ولا يمكن قراءة “باب البنات” باعتباره فقط سلسلة رمضانية أوحكاية عائلية فالعمل يطرح أسئلة أعمق من قبيل لماذا نشتاق إلى الماضي؟ هل لأن الماضي كان أجمل حقًا، أم لأن الحاضر أصبح أكثر تعقيدًا من أن يُعاش دون ذاكرة تحتويه؟
في هذا السياق، يتحول الحنين في “باب البنات” إلى آلية للتفكير في الزمن نفسه، فالشخصيات لا تعود إلى الماضي هربا من الحاضر فقط، بل لأنها تحاول أن تجد فيه معنى لحياتها.
وهنا تكمن قوة العمل الذي لا يقدّم الماضي فردوسا ضائعا، بل جزءا من حكاية مستمرة ما زلنا نعيش فصولها، ولهذا يبدو في جوهره رحلة في ذاكرة بلد كامل، تبدأ بحلم صغير في ذهن ممثلة، وتنتهي بعالم درامي يحاول أن يجيب عن أسئلة الزمن… عبر الحكاية.
*الصورة للصحفي أسامة السعفي