منذ أكثر من ثلاثة عقود، اختارت قناوة ديفيزيون، أن تجعل من الموسيقى موقفاً ومن الركح فضاءً للحرية.
وانطلاقا من فلسفتها، لا يمكن التعاطي مع هذه المجموعة إلا بوصفها مشروعاً ثقافيا وفنيا يضع الحرية والكرامة في صلب تجربته.
في عرضها بمهرجان الحمامات الدولي، أثبتت المجموعة مرة أخرى أن الفن قادر على تجاوز الحدود الجغرافية واللغوية، وأن الإيقاع يستطيع أن يجمع آلاف الأشخاص حول فكرة واحدة، حتى وإن اختلفت لغاتهم وخلفياتهم.
منذ اللحظة التي اعتلى فيها أمازيغ كاتب الركح، لم يبحث عن استعراض أو استمالة سهلة للجمهور، إذ بدا حضوره امتداداً لمسيرة طويلة صاغها بعناد، متكئاً على مبادئ والده الكاتب والمفكر الجزائري كاتب ياسين، لكن من دون أن يتحول إلى ظل لذلك الإرث.
بعيدا عن الشعارات، صنع أمازيغ لغته الخاصة، لغة تتحدث بالموسيقى، وتؤمن بأن الأغنية يمكن أن تكون لحظة احتفال بقدر ما تستطيع أن تكون أداة مقاومة.
ولم يحتج جمهور الحمامات إلى وقت طويل للدخول في عالم قناوة ديفيزيون فمنذ أن تحدثت أوتار القمبري حينما صافحتها أنامل أمازيغ كاتب وتسرب صوته يسندها، بدأ الجمهور يردد الكلمات، ويصفق على وقع الإيقاعات، لتتحول المدرجات شيئاً فشيئاً إلى كورال ضخم يشارك في صناعة العرض.
وعلى إيقاع انصهار الجمهور في تفاصيل العرض، تتبدّى خصوصية قناوة ديفيزيون، فهي تنتشل الجمهور من موقع المتفرج، وتدفعه ليصبح جزءاً من النسيج الموسيقي نفسه، فيذوب الحد الفاصل بين الركح والمدرجات، ويغدو الجميع طرفاً في التجربة.
وأما اختيار الأغنيات فجاء معبراً عن هوية الفرقة ومسيرتها وتنقلت المجموعة بين ” يا لايمي” و”شارلاتون”، وهلال الليلة” و”بابا سالم” لترسخ رؤية فنية تجعل من الموسيقى مساحة لعبور الثقافات.
لكل أغنية عالمها الخاص، غير أن جميعها يلتقي عند فكرة واحدة وهي أن الموسيقى لغة إنسانية لا تعترف بالحدود.
ولا يمكن الحديث عن قناوة ديفيزيون دون التوقف عند بنائها الموسيقي، فالفرقة لا تقدم القناوة بصيغتها التقليدية، كما أنها لا تستعير الروك أو الريغي أو الجاز على سبيل الزينة، إنها تعيد تركيب هذه العناصر داخل مشروع متجانس، يجعل من كل آلة شخصية قائمة بذاتها.
وكان القمبري، بذبذباته العميقة، القلب الذي ينتظم حوله البناء الموسيقي، بينما أدت الشقاشق دورها في صناعة النبض الإيقاعي المتواصل، لتذكر بأصول الموسيقى القناوية وطقوسها الروحية.
أما الدرامز فقد ضخ جرعة كبيرة من الطاقة، فيما منح العود بعداً شرقياً ينسجم مع روح المتوسط، ليولد من هذا الحوار صوت خاص لا يشبه إلا قناوة ديفيزيون.
هذا المزج لم يكن مجرد خيار جمالي، بل كان انعكاساً لفلسفة الفرقة، فهي تؤمن بأن الهوية ليست كتلة مغلقة، وإنما فضاء مفتوح يتسع للتعدد.
على نسق هذا المزج، لا يشعر المستمع بأي تناقض بين الإيقاعات الإفريقية والأنغام المغاربية والروح الغربية التي تحملها بعض التوزيعات، لأن جميع هذه العناصر تلتقي داخل رؤية موسيقية واحدة، تحترم الجذور لكنها لا تظل حبيستها.
وقد اكتسبت الأغنيات دلالات خاصة، إذ بدت احتفاءً بالوطن من دون الوقوع في الخطاب المباشر، كما أعادت وصل الجمهور بالذاكرة القناوية، بما تحمله من أبعاد روحية وإيقاعية وفتحت نافذة على العمق الإفريقي للمشروع.
ومن أبرز ما ميز السهرة تلك الكيمياء الواضحة بين أعضاء الفرقة، لم يكن أحدهم يسعى إلى فرض حضوره على حساب الآخر، بل بدا الجميع جزءاً من نسيج واحد، تتحاور داخله الآلات كما تتحاور الأصوات. كانت لحظات الارتجال تتولد بصورة طبيعية، فيترك الموسيقي مساحة لزميله قبل أن يعود إلى قيادة الإيقاع، وهو ما منح العرض مرونة وحيوية جعلت كل أغنية تبدو وكأنها تولد للمرة الأولى أمام الجمهور.
ولعب أمازيغ كاتب دوراً محورياً في هذه الديناميكية، فهو لا يكتفي بالغناء، بل يتحرك باستمرار بين الموسيقيين والجمهور، يوجه الإيقاع تارة، ويترك المجال للآلات تارة أخرى، ثم يعود ليقود الجوقة الكبيرة التي تشكلت في المدرجات.
ومن اللافت أيضاً أن الفرقة نجحت في الحفاظ على توازن دقيق بين الجانب الاحتفالي والبعد الفكري، فالعرض لم يتحول إلى محاضرة سياسية، كما لم ينزلق إلى مجرد فرجة راقصة. كانت الرسائل تمر عبر الموسيقى نفسها، من خلال الإيقاع والكلمة وطريقة الأداء.
وفيما تتشابه كثير من العروض الموسيقية، تظل قناوة ديفيزيون متمسكة بخصوصيتها، فهي تدعو الجمهور إلى خوض مغامرة موسيقية تبدأ من القناوة، وتعبر الروك والريغي والإيقاعات الإفريقية، قبل أن تعود إلى المتوسط محملة بتجارب وأسئلة جديدة.
وربما لهذا السبب ظلت الفرقة، رغم مرور السنوات، قادرة على استقطاب جمهور من أجيال مختلفة، يجد كل واحد منها شيئاً يخصه داخل هذا المشروع.