“في الجانب الآخر من الشمس” لا يعود توفيق صابوني إلى سجن صيدنايا ليعيد تمثيل ما حدث داخله، فبعض المآسي تبلغ من القسوة حدّا يجعل إعادة تمثيلها مستحيلة.
لقد رجع إليه لأن الذاكرة مازلت هناك، معلقة بين الجدران، ولأن الناجين، مهما ابتعدوا، لن يغادروا السجن تماما.
في هذا الفيلم الوثائقي، الذي عرض في مهرجان عمان السينمائي الدولي، يتجسد الماضي حين يرفض أن يكون ماضيا، ويتجاوزالمكان خلفية للأحداث ليظهر الشخصية الأكثر صمتًا، والأكثر قدرة على فضح ما حاول التاريخ الرسمي دفنه.
فكل خطوة يخطوها الناجون داخل الممرات الضيقة تبدو كأنها مواجهة مع نسخة قديمة من ذواتهم، نسخة لم تتح لها فرصة أن تكبر خارج القضبان.
في ثنايا السجن، تتحول العودة إلى فعل نبش في جرح ما زال مفتوحا لم يمنح أصحابه حق الالتئام، تتخلى السينما عن أدواتها التقليدية في إعادة البناء، لتقترب من طقس اعتراف جماعي.
ولا يمثل الناجون أنفسهم بقدر ما يستدعون أشباحًا لا تزال تسكنهم، لذلك، تبدو أجسادهم وكأنها تحفظ ذاكرة المكان أكثر مما تحفظها الجدران. فالسجن الحقيقي لا ينتهي عند البوابة، إنه يستقر في الذاكرة، حيث تتحول الرائحة، والخطوات، والصمت، إلى عناصر قادرة على استحضار الألم بعد سنوات طويلة.
ولعل أكثر ما يربك المتلقي تلك التفاصيل التي تبدو هامشية، لكنها تختزل فلسفة العنف كلها، إيروي أحد الناجين أن السجان قد يفقأ عين السجين إذا شعر بأنه حدق في وجهه طويلًا، حتى لا يستطيع التعرف إليه يومًا ما.
والعين هنا ليست عضو إبصار، إنها ذاكرة، يصبح معها اقتلاعها محاولة لاقتلاع الشاهد نفسه. فالسلطة التي تخشى نظرة الضحية، تدرك أن الجريمة لا تكتمل إلا إذا فقدت الذاكرة قدرتها على التعرّف.
وفي شهادة أخرى، ينهض معتقل من الموت للحظات، يفتح عينيه، ويطلب قطعة “حلاوة”، ثم يموت ثانية. قد تبدو الحكاية للوهلة الأولى شديدة العبث، لكنها تختصر المأساة كلها. ففي أقصى درجات التجويع والإذلال، يستدعي الإنسان آخر ما بقي من ذاكرة الحياة.
وتصبح “الحلاوة” استعارة لطفولة سُرقت، ولعالم بسيط كان يبدو يومًا بديهيًا قبل أن يحيله السجن إلى حلم بعيد.
لكن أكثر ما يجعل الجرح عصيًا على الالتئام، أن التعذيب لم يكن صادرًا عن عدو غريب أو جيش احتلال، بل عن أبناء البلد أنفسهم.
هنا، تبلغ المأساة ذروتها، ويتلقى الجسد الضربات فيما تتصدع فكرة الوطن، فحين يكون السجان سوريًا، مثل السجين، يصبح العنف انهيارًا للعلاقة الإنسانية قبل أن يكون ممارسة أمنية، ويتحول الانتماء المشترك إلى مفارقة موجعة.
هذه هي القوة الحقيقية للفيلم، فهو لا يحاول تفسير العنف، ولا يسعى إلى استدرار التعاطف عبر المشاهد القاسية، هو يضع المشاهد أمام أسئلة أخلاقية مفتوحة تدور حول ما يتبقى من الإنسان بعد أن ينجو ومعنى النجاة.
في هذا العمل، تصبح السينما فعل مقاومة للنسيان، فكل شهادة تُوازي انتصارا صغيرا على وكل خطوة داخل الزنزانة هي استعادة لحق الضحايا في أن يرووا حكاياتهم بأنفسهم.
وهم يعيدون السير في الممرات نفسها، لا تبحث وجوه الناجينعن الانتقام، بقدر ما تبحث عن القدرة على رواية ما حدث.
فالرواية، في مثل هذه الأعمال، فعل مقاومة لمحاولات محو الضحايا، ولإغراء تحويل الكارثة إلى رقم في تقرير حقوقي.
“الجانب الآخر من الشمس”، أكثر من فيلم وثائقي عن سجن صيدنايا، إنه تأمل في الذاكرة حين تعجز عن النسيان، وفي الجراح التي لا تندمل لأنها لم تحصل بعد على اعتراف يوازي حجمها.
فبعض الآلام لا يخففها الزمن، لأن الزمن نفسه توقف داخل تلك الزنازين، وبقي الناجون يجرونها معهم إلى الخارج، وربما لهذا السبب اختار توفيق صابوني أن يعود إلى السجن بدل أن يكتفي بالحديث عنه.
كما أن بعض الأماكن لا تُفهم إلا من داخلها، وبعض المآسي لا تُروى إلا من قلبها، تماما مثل سجن صيدنايا حيث مازالت الجدران تحفظ الأصوات، ومازالت الذاكرة تواجه، رغم كل شيء، محاولات اجتثاثها.