تحولت جلسة الفيلم الأول (السلسة 3) ضمن جلسات، ضمن أيام السينما في عمان إلى نقاش عميق حول معنى أن يصنع المخرج فيلماً وثائقياً في بيئات تعاني من غياب الأرشيف، أو من الحروب، أو من محاولات محو الذاكرة.
وفي الجلسة التي أدارتها المخرجة والمنتجة جود غوراني، التقت تجارب المخرجين علي سعيد من السعودية، وتوفيق صابوني من سوريا، وأحمد عبد من العراق.
هذه التجارب المختلفة جغرافيا وأسلوبا تشابهت في سؤال واحد وهو كيف يمكن للسينما أن تستعيد ما غاب، وأن تمنح الذاكرة شكلاً جديداً وأن تقاوم النسيان؟
استهل علي سعيد الحديث بالتأكيد أن علاقته بالسينما جاءت من بوابة الأدب، مشيراً إلى أنه أصدر ثلاثة كتب قبل أن يتجه إلى الإخراج. وقال إن فيلمه الوثائقي “ضد السينما” لم يولد من رغبة في توثيق مرحلة فحسب، وإنما من محاولة لفهم علاقة المجتمع السعودي بالسينما، وهي علاقة وصفها بأنها “تاريخ مع التضاد مع السينما أكثر من كونها تاريخاً للسينما”.
وأوضح أن العمل على الفيلم استغرق نحو خمس سنوات، لأن الفيلم الوثائقي، بحسب تعبيره، لا يبقى وفياً لفكرته الأولى، بل يولد من جديد خلال رحلة البحث.
وقال إن كل مرحلة كانت تعني هدماً وإعادة بناء، سواء على مستوى التفاصيل أو الرؤية، مضيفاً أن ندرة المراجع والكتابات حول تاريخ السينما في السعودية جعلت البحث أكثر تعقيدا.
وأشار سعيد إلى أن تجربته في الصحافة كانت عاملا أساسيا في تطوير أدواته البحثية، مؤكدا أن الوثائقي يحتاج إلى مهارات التحقيق والبحث بقدر حاجته إلى الحس السينمائي. وأضاف أن التحدي الأكبر أمام صانع الفيلم هو الحفاظ على صوته الشخصي، لا أن يتحول إلى مجرد ناقل لصوت المؤسسات أو الروايات الرسمية.
ومن بين الاكتشافات التي قادته إليها رحلة البحث، العثور على فيلم مفقود يعود إلى عام 1956، وهو ما اعتبره دليلاً على أن التاريخ السينمائي لا يزال يخفي الكثير من الصفحات غير المكتشفة.
أما المخرج السوري توفيق صابوني، فتحدث عن مسار مختلف بدأ من المسرح والحقوق ، قبل أن يدرس السينما حينما اضطر إلى اللجوء إلى بلجيكا عام 2015.
وأوضح أن بدايته مع الصورة لم تكن فنية بقدر ما كانت ضرورة فرضتها الثورة السورية، إذ كان يصور المظاهرات بهدف توثيق الأحداث ونقل الحقيقة إلى العالم.
وقال إن فيلمه “الجانب الآخر من الشمس” يمثل وثيقة تاريخية لما جرى في سوريا، وخاصة ما يتعلق بسجن صيدنايا، لكنه شدد على أن الفيلم محاولة لإعادة بناء مكان لم يعد موجوداً كما عاشه المعتقلون بعيدا عن إعادة سرد للماضي.
وبيّن أن المشروع مر بمرحلتين مختلفتين، الأولى قبل سقوط النظام، والثانية بعده، وهو ما فرض إعادة التفكير في الفيلم وفي بنيته السردية.
وأوضح أن إعادة بناء فضاء السجن لم تعتمد على الديكور وحده، وإنما على استحضار الذاكرة عبر الحياة اليومية وأجساد الشخصيات، بحيث يرى المشاهد اللحظة بدلا من أن يسمع عنها فقط.
وأضاف أن عملية اختيار الشخصيات تغيرت أكثر من مرة بسبب ظروف اللجوء والأوراق القانونية، وأن العلاقة التي جمعت فريق العمل بالشخصيات تطورت إلى صداقة حقيقية، وهو ما انعكس على صدق الفيلم.
وكشف صابوني أن المشروع أنتج أكثر من تسعين ساعة تصوير، مرّت بثلاث مراحل أساسية: الكتابة، ثم التصوير، ثم إعادة كتابة الفيلم بالكامل داخل غرفة المونتاج، مؤكداً أن المونتاج ليس مرحلة تقنية، بل لحظة كتابة جديدة.
من جانبه، عاد المونتير العراقي أحمد عبد إلى طفولته، قائلا إن علاقته بالكتابة بدأت وهو في التاسعة من عمره خلال حرب 2003، عندما كان يكتب القصص لأنه لم يكن يستطيع النوم وسط أصوات الحرب.
وأوضح أن تلك الكتابات الأولى قادته لاحقاً إلى معهد الفنون الجميلة، ثم إلى المسرح، قبل أن تحمله المسارات إلى المركز العراقي للفيلم المستقل، حيث التقى بالمخرجة زهراء الغندور صاحبة فيلم “فلانة”، التي جمعته بها الرغبة في رواية قصص العراقيين عبر السينما.
وأشار إلى أن فيلم “فلانة” مر بتحولين رئيسيين، ففي البداية كان المشروع يبحث في قضية النساء المفقودات، قبل أن تتحول الفكرة، إلى رحلة استقصائية تبحث في مصائر الفتيات المفقودات، جامعاً بين البعد الإنساني والتحقيق الوثائقي.
وأكد أن المونتاج أعاد إحياء الفيلم من جديد، إذ لم يكن مجرد ترتيب للقطات، بل عملية اكتشاف لمعنى مختلف لما جرى تصويره.
وكشفت الجلسة أن السينما الوثائقية العربية فتحت آفاقا جديدة بعيدا عن الاكتفاء بتسجيل الوقائع.
فالأرشيف قد يكون ناقصا، والذاكرة مثقوبة بالحروب والمنفى، لكن الكاميرا قادرة على إعادة بناء ما هدمه الزمن، عبر منح الشهود مساحة لاستعادة أصواتهم، وتحويل التجربة الفردية إلى ذاكرة جماعية تحفظها السينما للأجيال المقبلة.