من كاتدرائية قرطاج إلى قصور غمراسن، يواصل مهرجان إي-فست (E-Fest) اختبار العلاقة بين الفنون الرقمية والفضاءات التراثية، في تجربة تسعى إلى تجاوز مركزية العاصمة وربط الإبداع الفني بالتنمية المحلية.
في حوار مع رياليتي أون لاين، تحدث مدير المهرجان عفيف الرياحي عن تطور الفنون الرقمية، وموقع الذكاء الاصطناعي في الممارسة الفنية والمجتمع، وتحديات العمل الثقافي المستقل، ورهان إشراك السكان في صناعة المهرجان بدل الاكتفاء بدعوتهم إلى مشاهدة عروضه.
انطلق مهرجان “إي-فست” من فكرة إقامة مشاريع فنية في فضاءات غير مخصصة أساساً للثقافة، قبل أن ينتقل إلى قصور غمراسن. كيف تطورت هذه الرؤية، وإلى أي مدى نجحت التجربة في إعادة بناء العلاقة بين التراث والفن والتكنولوجيا؟
إي-فست ليس مهرجانا جديدا، تعود بداياته إلى سنة 2007. ومنذ انطلاقه، كانت فكرتنا، باعتبارنا جمعية، تقوم على تنظيم مشاريع فنية وثقافية في فضاءات غير مخصصة للثقافة، لكنها تحمل قيمة تاريخية وتراثية مهمة في تونس.
عندما تنظم مهرجاناً للموسيقى الرقمية داخل كاتدرائية قرطاج أو في فضاء مثل الأكروبوليوم، فإن الجمهور يعيش تجربة مختلفة، لأن المكان نفسه يحمل ذاكرة وتاريخاً، ويصبح جزءاً من التجربة الفنية، لا إطار لاحتضان العرض فحسب.
ما تغير اليوم هو أننا وسعنا هذه الرؤية، وأصبحنا نفكر في المكان باعتباره حاملاً لحكاية، وفي ضرورة الخروج من العاصمة. ومن هنا جاءت تجربة غمراسن، بعد أن اكتشفنا المنطقة، بما فيها من خصوصيات تراثية وثقافية، خلال عملنا على مشروع “دون شعار”.
عندما زرت قصور المنطقة، أثارني هذا الفضاء كثيراً، وقررت أن نضع المهرجان في قلب القصور.
هكذا انتقلنا من الكاتدرائية إلى القصور، لكن الفكرة الأساسية ظلت نفسها، البحث عن علاقة مختلفة بين الفن والمكان.
أعتقد أن للمشاريع الثقافية المتميزة في هذه الفضاءات أهمية كبيرة، لأنها تعيد تسليط الضوء على التراث، وتمنح المكان والمنطقة وسكانها فرصة للانفتاح على العالم. فحين توجه اهتماماً فنياً وثقافياً إلى منطقة معينة، فإنك تجعلها مرئية، وتفتح أمامها إمكانات جديدة.
الهدف من الانتقال إلى غمراسن ليس تغيير موقع المهرجان، وإنما المساهمة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية للمنطقة من خلال الثقافة والفن، بحيث تصبح الثقافة محركاً للتنمية المحلية.
تعمل في مجال الفنون الرقمية منذ نحو 25 سنة. كيف تقرأ اليوم تطور هذا المجال في تونس، وهل أصبح من الممكن الحديث عن قطاع متكامل للفنون الرقمية؟
أعمل في مجال الفنون الرقمية منذ نحو 25 سنة، وقد كانت هذه الفنون، خلال تسعينيات القرن الماضي، مجالاً جديداً يثير كثيراً من الأسئلة حول إمكاناته ومستقبله.
آنذاك، كنا نفكر في إمكانية بناء قطاع مستقل للفنون الرقمية.
لكن ما حدث في العالم خلال العقود الماضية دفعنا إلى مراجعة هذه الفكرة.
فقد أصبحت التكنولوجيا الرقمية جزءاً من مختلف أشكال التعبير الفني، ولم تعد محصورة في مجال مستقل أو في مجموعة من الفنانين المتخصصين فيها.
اليوم، لا يمكننا اعتبار الفنون الرقمية قطاعاً منفصلاً بالمعنى نفسه الذي كان سائداً في السابق.
لقد أصبحت الأدوات الرقمية حاضرة في الموسيقى والفنون البصرية والكتابة وغيرها من الممارسات الإبداعية.
وبالتالي، فإن السؤال لم يعد متعلقاً بإنشاء قطاع مستقل بقدر ما يتعلق بكيفية إدماج هذه الأدوات في المشهد الفني العام.
في البداية، كان الفنانون الذين يعملون في هذا المجال غالباً من المختصين في الإعلامية والبرمجة والترميز أو الفيديو، وقد وجدوا في التكنولوجيا الرقمية فرصة لتطوير أشكال جديدة من التعبير، وهو ما أسهم في نشأة جماليات خاصة بهذا المجال.
أما اليوم، فقد أصبح هؤلاء جزءاً من المشهد الفني الأوسع، وهذا ما نطمح إليه أيضاً: أن يتمكن الفنانون من الحوار والعمل المشترك، مهما اختلفت الوسائل التي يستخدمونها في إنتاج أعمالهم.
فالوسائل تتغير، لكن الفن يظل في حالة تطور مستمر. وكما لم يؤد ظهور أدوات فنية جديدة في الماضي إلى إلغاء ما سبقها، فإن التكنولوجيا الرقمية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها قطيعة مع الفنون الأخرى، بل باعتبارها امتداداً لإمكانات التعبير والتجريب.
لكن مازالت هناك مسافة بين بعض التجارب الرقمية والمؤسسات الثقافية التقليدية.
هل يعود ذلك إلى صعوبة استيعاب المنظومة الثقافية للتحولات الفنية والتكنولوجية؟
من الطبيعي أن تستغرق المؤسسات وقتاً حتى تستوعب التحولات التي تحدث في المجتمع. فحين تظهر ممارسة فنية جديدة، تحتاج المنظومة الثقافية إلى وقت لاكتشافها، ثم إدراجها ضمن تصوراتها وبرامجها، قبل أن تتمكن من التعامل معها على نحو فعلي.
وهذا ليس وضعاً خاصاً بتونس، بل نلاحظه في بلدان مختلفة. فالإبداع الاجتماعي والفني يتقدم عادة على التنظيم المؤسساتي، إذ يبتكر الفنانون أشكالاً جديدة من التعبير، ثم تأتي المؤسسات لاحقاً لمحاولة استيعابها وتأطيرها.
لذلك، لا أعتقد أن الاختلاف بين الممارسات الفنية الجديدة والمؤسسات التقليدية يمثل مشكلة في حد ذاته. فمن الضروري أن نحافظ على التنوع. هناك من يفتح الأبواب أمام التجارب الجديدة، وهناك من يفضل الاستمرار ضمن مدارس فنية لها تاريخها وخصوصياتها.
المهم هو أن يكون هناك تواصل بين هذه الاتجاهات، وأن تتاح للفنانين فرص العمل المشترك، دون أن يعني ذلك إلغاء الاختلافات الفنية أو الجمالية.
أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي حاضرة في النقاش حول مستقبل الإبداع. هل تنظر إليها باعتبارها امتداداً طبيعياً للتجريب الرقمي، أم أنها تثير مخاوف تتعلق بمستقبل الفن وملكية الأعمال؟
لا أعتقد أن السؤال الأساسي هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي خطراً أم لا، لأنه يحمل الإمكانيتين معاً. فكلما تطورت قدراته، ازدادت إمكاناته الإيجابية، لكن مخاطره يمكن أن تتضاعف أيضاً.
السؤال الحقيقي هو كيف سنستخدم هذه التكنولوجيا، وما الغاية من استخدامها؟ هل ستكون وسيلة لخدمة المجتمع، أم لخدمة مصالح محددة؟ هل ستساعدنا على تطوير تفكيرنا وإنتاجنا، أم ستجعلنا أقل قدرة على التفكير والإبداع بصورة مستقلة؟
بالنسبة إليّ، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز قدرات الإنسان، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى نتائج سلبية بحسب طريقة استخدامه. فالأداة لا تكفي وحدها لتحديد النتيجة إذ يظل الهدف من استخدامها وطبيعة العلاقة التي نبنيها معها عاملين حاسمين.
لكنني أرى أن الخطر الأكبر لا يكمن بالضرورة في استخدام فنان أو كاتب لهذه الأدوات، إنه يكمن في الطريقة التي سيؤثر بها الذكاء الاصطناعي في المجتمع ككل، وفي الاقتصاد والتعليم وتنظيم الحياة العامة.
علينا أن نفكر في كيفية استخدام الحكومات لهذه التكنولوجيا، وفي الحدود التي يمكن وضعها لتنظيمها، وفي مدى قدرتنا على مراقبة المنصات التي تطورها وتتحكم فيها. فالمسألة تتجاوز الإبداع الفردي إلى أسئلة تتعلق بمستقبل المجتمعات، وباحتمال أن تصبح أكثر تبعية للأنظمة التكنولوجية التي تستخدمها.
في المقابل، تواجه الجمعيات الثقافية المستقلة صعوبات متزايدة في التمويل والتعامل مع المؤسسات والإدارة. كيف تنعكس هذه التحديات على تنظيم مهرجان يجمع بين الفن والتنمية المحلية؟
العمل الثقافي صعب ويتطلب التزاماً كبيراً من الأشخاص الذين يقررون خوضه. نحن نحتاج باستمرار إلى التكيف مع الإمكانات المتاحة، لأن المؤسسات لا تتكيف بالضرورة مع احتياجاتنا، بل نجد أنفسنا في كثير من الأحيان مضطرين إلى التكيف مع شروطها.
هناك مفارقة لم أستطع فهمها تماماً، الجميع يقول إن الثقافة مهمة جداً للمجتمع، لكن عندما يتعلق الأمر بالإمكانيات والموارد، نجد أنها تحصل على نصيب أقل مما تستحق.
أعتقد أن المشكلة تكمن في أننا لم نستوعب بعد، بصورة عميقة، أن الثقافة أداة لبناء الوعي والمواطن والمجتمع وليست مجرد وسيلة للترفيه.
نحن، بوصفنا فاعلين ثقافيين، نبذل جهوداً كبيرة للدفاع عن هذه الفكرة. لا نعمل من أجل مصالحنا الشخصية، ونؤمن بأن ما نقوم به يمكن أن يكون له أثر في المجتمع. نحن، كما أقول دائماً، جنود الثقافة، ونلتزم بهذا العمل بما يتوفر لدينا من إمكانات.
لكن لا يمكن مطالبة الفاعلين الثقافيين بتحقيق المعجزات. فالموارد المتاحة تؤثر مباشرة في البرمجة وفي حجم التأثير الذي يمكن أن يحققه أي مشروع. لا يمكن لمهرجان بميزانية تبلغ 80 ألف دينار أن يحقق بالضرورة الأثر نفسه الذي يحققه مهرجان بميزانية مليون دينار.
وفي المقابل، ليست الميزانية وحدها هي التي تحدد قيمة المشروع أو تأثيره. فقد نجد مهرجانات ذات ميزانيات كبيرة، لكن أثرها المحلي محدود، بينما تنجح مبادرات أصغر في إحداث تغيير أكبر لأنها تعمل مباشرة مع السكان وتستجيب لاحتياجاتهم.
تؤكدون باستمرار أهمية العمل مع السكان. كيف يمكن للمهرجان أن يتجاوز فكرة تقديم عروض فنية للجمهور، ليصبح جزءاً من الحياة المحلية؟
لا يمكن للثقافة أن تحقق أثراً حقيقياً إذا تعاملت مع الناس من موقع الفوقية أو الاستعلاء. التأثير يبدأ عندما ننخرط في الحياة اليومية للمنطقة، ونفهم انتظارات سكانها، ونعمل معهم لا من أجلهم فقط.
هذه هي قيمة العمل الثقافي، أن يمنح الناس فرصة لاكتشاف تجارب جديدة، وأن يفتح أمامهم إمكانات لم تكن متاحة لهم من قبل.
لكن لا يمكننا أن نفترض أن الجميع سيتفاعلون بالطريقة نفسها. هناك أشخاص لديهم استعداد للانفتاح على تجارب غير مألوفة، وآخرون يفضلون البقاء ضمن ما اعتادوه. دورنا هو توفير الفرصة، لا فرض طريقة معينة في التلقي أو المشاركة.
وفي غمراسن وتطاوين، يمكننا اليوم القول إن نتائج التجربة إيجابية. فغالبية الجمهور الذي يستقبل المهرجان ينتمي إلى المنطقة، وهذا مؤشر على أن المشروع بدأ يحقق ارتباطاً فعلياً بمحيطه المحلي.
والأهم أن بعضهم بات يساعد في تنظيم المهرجان والعمل ضمن أنشطته. وهذا التحول أساسي بالنسبة إلينا، لأنه يجعل السكان جزءاً من المشروع، لا متلقين لبرمجته.
كيف تترجمون هذا التوجه عملياً ضمن برنامج المهرجان، خاصة مع تعدد أبعاده الفنية والثقافية والتنموية؟
يقوم المهرجان على عدة محاور مترابطة. هناك المحور الفني، ومحور القرية المخصصة للشركاء والجمعيات والمجموعات المحلية، إلى جانب المحور السياحي الذي نعمل من خلاله على تشجيع الزوار القادمين من خارج المنطقة على اكتشافها والمشاركة في جولات وزيارات داخلها.
كما نعمل على محور الحوار المواطني، من خلال فضاء “الأغورا”، الذي يتيح للسكان الالتقاء ومناقشة القضايا والإشكاليات المحلية.
نريد أن تكون أبواب المهرجان مفتوحة أمام سكان المنطقة، لكي يشاركوا في صناعة ما نقدمه.
ولهذا نوفر فضاءً للجمعيات ومجموعات التنمية الفلاحية لعرض أعمالها ومنتجاتها، إلى جانب فرص للتكوين والتعاون وتبادل الخبرات.
هذه المشاركة ليست تفصيلاً تنظيمياً، هي جزء من جوهر المشروع. فإذا اكتفينا بتقديم عروض فنية من دون أن نتيح للسكان إمكانات المشاركة والعمل، فإننا نبتعد عن هدف التنمية المحلية الذي نطمح إليه.
مع تعدد هذه المحاور، هل تسعون كل سنة إلى تقديم تصور جديد للمهرجان، أم أنكم تعملون على ترسيخ تجربة غمراسن وتطويرها تدريجياً؟
نحن لا نريد تغيير الأسس التي يقوم عليها المهرجان كل سنة، بل نريد تعزيزها وتقويتها. فالتنمية تحتاج إلى الوقت، ولا يمكن بناء مشروع محلي متكامل خلال سنة أو سنتين.
نحافظ على المحاور الأساسية، ونعمل على تطويرها باستمرار، لأن قوة هذه المحاور هي التي ستتيح لنا استقطاب أفكار جديدة وتوسيع أثر المهرجان.
وبالنسبة إلى غمراسن، أعتقد أننا نحتاج اليوم إلى مواصلة العمل فيها حتى يصبح المشروع أكثر رسوخاً، ويكون له أثر يمتد إلى المنطقة بأكملها.
لا أرى أن الأولوية تكمن في الانتقال سريعاً إلى مناطق أخرى، بل في بناء تجربة قوية يمكن أن تصبح نموذجاً قابلاً للتطور.
نحن منفتحون على فكرة التنقل والعمل في مناطق مختلفة، لكن ذلك يحتاج إلى استراتيجية وإلى إمكانات مالية وبشرية. فإذا انتقلنا إلى منطقة جديدة من دون أن نضمن استمرارية المشروع في غمراسن، فقد نجد أنفسنا أمام تجربتين ضعيفتين بدلاً من تجربة واحدة قوية.
الأفضل أن نرسخ حضورنا في غمراسن، وأن نعمل على تطوير قدرات السكان والفاعلين المحليين الذين يشاركون معنا، حتى يتمكنوا مستقبلاً من تنظيم أنشطة ومبادرات بأنفسهم، داخل المنطقة وخارجها.
ليس المطلوب أن نظل نحن الجهة التي تتولى كل شيء. نريد أن نساهم في بناء قدرات محلية تسمح للسكان والفاعلين الثقافيين بمواصلة العمل بصورة مستقلة. عندها يمكن للمشروع أن يتجاوز حدود المهرجان نفسه، وأن يصبح جزءاً من ديناميكية ثقافية وتنموية مستمرة.