في السينما العربية، غالبا ما يسلّط الضوء على المخرجين والممثلين، فيما يبقى المنتج في الظل، باعتباره ممولا أو مديرا لعملية الإنتاج.
لكن درة بوشوشة، قلبت هذه المعادلة فقد رسخت على امتداد ثلاثة عقود نموذجا مختلفا للمنتج بوصفه شريكا في صناعة الرؤية، وصانعا للفرص، وفاعلا ثقافيا يساهم في رسم مستقبل السينما، ولا يكتفي فقط بتمويلها.
وحين يخصص مهرجان عمّان السينمائي الدولي جلسة للحديث عن تجربتها، لا يحتفي بمسيرة مهنية فحسب، بل يستعيد أحد أهم الأسماء التي أسهمت في تشكيل ملامح السينما التونسية والعربية الحديثة.
درة بوشوشة، اسم يصعب اختزاله في قائمة أفلام أو جوائز، فمنذ تأسيسها شركة Nomadis Images سنة 1994، اختارت أن تنحاز إلى سينما المؤلف، وإلى المشاريع التي تراهن على اللغة السينمائية. لذلك، ارتبط اسمها بأفلام صنعت حضورا عربيا لافتا في أكبر المهرجانات الدولية، لرهانها على الجرأة الفنية.
وتتجاوز مساهمتها حدود إنتاج الأفلام، فقد أدركت مبكرا أن أزمة السينما العربية لا تكمن في نقص المواهب، وإنما في غياب البيئات التي تسمح لهذه المواهب بالنمو.
ومن هذا الوعي، ولدت مبادرات مثل Sud Écriture وتكميل وورشة مشاريع أيام قرطاج السينمائية، وهي منصات أصبحت محطة أساسية لعشرات المخرجين العرب والأفارقة في تطوير نصوصهم ومشاريعهم وإيجاد شركاء إنتاج.
وتخطت إنتاج الأفلام إلى إنتاج مسارات مهنية كاملة، فكثير من الأسماء التي أصبحت اليوم جزءا من المشهد السينمائي العربي مرت، بشكل أو بآخر، عبر الورشات والمنصات التي أسهمت في تأسيسها أو تطويرها.
ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة في سياق التحولات التي عرفتها السينما العربية خلال العقود الأخيرة، مع تقلص التمويل العمومي وارتفاع كلفة الإنتاج، وأصبح المنتج مطالبًا بإتقان لغة الشراكات الدولية وصناديق الدعم والإنتاجات المشتركة.
وفي هذا المجال، كانت درة بوشوشة من أوائل المنتجين العرب الذين نجحوا في بناء شبكة علاقات مهنية واسعة مع أوروبا وإفريقيا، دون أن تتحول الأفلام إلى مشاريع تخضع بالكامل لشروط التمويل الخارجي.
كما جعلت من تونس نقطة التقاء للسينمائيين العرب والأفارقة، فعندما أدارت أيام قرطاج السينمائية في ثلاث دورات مختلفة، نظرت إلى المهرجان باعتباره مناسبة لعرض الأفلام وفضاءً للتكوين وتبادل الخبرات وإطلاق المشاريع الجديدة، وهو التصور الذي شكل جزءا أساسيا من هوية المهرجان.
وامتدت مكانتها إلى خارج المنطقة العربية، إذ اختيرت عضوًا في أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة، المؤسسة المانحة لجوائز الأوسكار، كما شاركت في لجان تحكيم مهرجانات كبرى مثل برلين والبندقية وفيسباكو وشنغهاي، وهو حضور يعكس الثقة الدولية التي اكتسبتها بوصفها شخصية مؤثرة في صناعة السينما.
وتكمن خصوصية درة بوشوشة في أنها تعاملت مع السينما كمساحة للحوار، وحفظ الذاكرة، وطرح الأسئلة الكبرى التي تشغل المجتمعات العربية، لا كصناعة اقتصادية أو ترف ثقافي فحسب.
ومن هذا المنطلق، تبدو اختياراتها الإنتاجية منحازة إلى الأفلام التي تلامس الإنسان، مهما اختلفت موضوعاتها.
وكانت الجلسة التي احتضنها مهرجان عمّان السينمائي الدولي وأدارها بسام الأسعد فرصة للحديث عن شخصية تجاوزت حدود الإنتاج لتصبح أحد أبرز مهندسي الرؤية في السينما العربية المعاصرة. فعلى مدى ثلاثة عقود، لم تكتفِ درة بوشوشة بإنتاج الأفلام، بل أنتجت البيئة التي تسمح لهذه الأفلام أن تولد، وللأسماء التي صنعتها أن تكبر وتستمر بعدها.
فمن خلال أفلامه، وورشاتها، وشبكاتها المهنية، أسهمت درة بوشوشة في صناعة جيل كامل من السينمائيين، وفي ترسيخ حضور السينما التونسية والعربية على أهم المنصات الدولية، لتظل واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في المشهد السينمائي العربي خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
*الصورة من صفحة سفارة تونس بعمّان