في الدورة الرابعة والأربعين من مهرجان بوقرنين الدولي، كان حضور عدنان الشواشي في عرض “كاتارسيس” لعبد الرحمان العيادي أشبه بعودة صوت إلى جذوره، وعودة أغنيات إلى جمهور شكلت جزءا من ذاكرته السمعية والعاطفية.
على ركح بوقرنين، غنّى الشواشي “عيبك” و”ريحان”، و”احكيلي عليها”، و”أم العيون السود”، فاستعادت الأغنية التونسية بعضا من وهجها القديم، واستعاد الجمهور تلك العلاقة التي لا تحتاج إلى كثير من الشرح بين الصوت والأذن، بين الأغنية والذاكرة.
ولا تكمن قيمة الشواشي الفنية فقط في أغنيات حفظها الجمهور، بل في كونه أحد الأصوات التي أسهمت في تثبيت ملامح مرحلة من الأغنية التونسية، حين كانت الأغنية تُبنى ببطء، وتحتاج إلى شاعر وملحن ومؤدّ، وإلى وقت يسمح لها بأن تجد طريقها إلى الناس.
وقد بدا حضور الشواشي امتدادا طبيعيا لفكرة التطهر التي يحملها عنوان العرض، إذ يستدعي ما تراكم في الوجدان ليستعيد زمنا كانت فيه الأغنية مشروع ذاكرة، لا منتجا سريع العبور.
وفي لقاء مع وسائل الإعلام إثر العرض، لم يتحدث الشواشي عن تجربته بمنطق الفنان الذي يحتفي بذاته، وإنما بمنطق من يعرف أن وراء كل أغنية ناجحة أسماء وذاكرة ورفاق درب.
وفي كلامه استعاد أسماء كبيرة كان لها أثر في مسيرته، وفي مقدمتها الهادي الجويني، الذي تحدث عنه باعتزاز وامتنان، مستحضرا جلساته معه حين كان يعرض عليه أغنياته الجديدة ويتابع مراحل تسجيلها.
إنها شهادة تحمل معنى الوفاء قبل أن تكون مجرد استعادة لذكرى، فالاعتراف بفضل من سبق، والاحتفاظ بتفاصيل صغيرة من مسيرة الفن، هو أيضا اعتراف بأن التجارب الغنائية لا تولد منفردة، وإنما تنمو داخل سلسلة من العلاقات والتأثيرات والتجارب الإنسانية.
ولم يقتصر الشواشي في استعادته لذاكرته على الهادي الجويني، بل أشار أيضا إلى عبد الحميد بلعلجية وإلى علي السريطي، مستحضرا أدوارهم في مرحلة كانت فيها صناعة الأغنية تقوم على تضافر عدد من الحرفيين والفنانين.
ومن هذه الذاكرة انتقل الشواشي إلى الحاضر، حاملا موقفا واضحا من تحولات الأغنية، فهو يرى أن الأغنية اليوم لم تعد تقوم فقط على “كلام جميل وأداء جميل وموسيقى جميلة”، بل أصبحت الصورة جزءا من قيمتها، وأصبحت العين شريكة الأذن في تلقي العمل.
وهذه الملاحظة تختصر تحولا عميقا في صناعة الموسيقى، حيث لم تعد الأغنية تنتهي عند التسجيل الصوتي، بل صارت ترافقها صورة وفيديو وحضور بصري قادر على صناعة جزء من انتشارها.
لكن الشواشي، في المقابل، يضع يده على مفارقة أخرى وهي سرعة الإنتاج قد تكون في أحيان كثيرة نقيضا للرسوخ، فالأغنية التي تولد بسرعة وتستهلك بسرعة قد تعجز عن بلوغ تلك المنطقة التي تستقر فيها الأغنيات القديمة؛ المنطقة التي لا تعود فيها الأغنية مجرد عمل فني، وإنما تصبح جزءا من الذاكرة الشعبية.
ومن هنا تأتي نظرته إلى الأغاني التي بقيت، من تونس ومن المشرق والمغرب، وتلك التي عبرت الأزمنة والأجيال. ليست المسألة، في رأيه، مسألة قدم وحداثة، وإنما مسألة قدرة الأغنية على أن تجد مكانا لها في وجدان الناس. فثمة أغانٍ تولد كـ”موضة” ثم تمر سريعا، وأخرى تنجح في مقاومة الزمن لأنها تحمل شيئا يتجاوز لحظة إنتاجها.
ولعل عبارته بأن “الأغنية التي لا ترسخ في الذاكرة الشعبية ينقصها شيء ما” تختصر فلسفة كاملة في النظر إلى الفن. فالنجاح ليس دائما في عدد مرات الاستماع، ولا في سرعة الانتشار، ولا في حجم الحضور على المنصات، وإنما في ذلك الأثر البطيء والعميق الذي يجعل الناس يعودون إلى الأغنية بعد سنوات، ويحفظون كلماتها، ويربطونها بمرحلة من حياتهم، ثم ينقلونها إلى جيل آخر.
لهذا كان حضور عدنان الشواشي في “كاتارسيس” ذا دلالة تتجاوز زمن العرض، لقد جاء بصوته وبأغنياته وبذاكرته، لكنه جاء أيضا بشهادة جيل يعرف قيمة التمهل في صناعة الأغنية، ويعرف أن الفن لا يقاس فقط بما يملأ اللحظة، وإنما بما يظل بعد أن تنتهي اللحظة.
في بوقرنين، لم يغنّ الشواشي الماضي فقط بل وضعه في مواجهة الحاضر، وفتح من خلال أغنياته سؤالا عن معنى أن تبقى الأغنية.
وبين “عيبك” و”ريحان” و”احكيلي عليها” و”أم العيون السود”، بدا أن بعض الأغنيات لا تحتاج إلى أن تستعيد زمنها كي تعيش من جديد، إذ يكفي أن تجد صوتا يعرف كيف يوقظ الذاكرة.