في “مملكة القصب” (أو “كعكة الرئيس”)، لا يقدّم حسن هادي فيلما يستعيد التسعينات بوصفها زمنا منقضيا، بل بوصفها بنية شعورية ما تزال تتسرّب إلى الحاضر. إنّه لا ينشغل بإعادة تمثيل مرحلة تاريخية بقدر ما يشتغل على تفكيك أثرها في الإنسان، في اللغة، في العلاقات، وفي تلك المسافة الدقيقة بين الكلام والكتمان.
ومن هنا، يبدو الفيلم الذي حط الرحال بمهرجان عمان السينمائي الدولي أقرب إلى تمرين على الذاكرة الجماعية، حيث تصبح السينما أداة إنصات للحكايات التي لم ترو بما يكفي وكما ينبغي.
ولا يتعامل المخرج مع الأحداث الماضية كأرشيف مغلق بحنين أو بإدانة جاهزة، فهو يراها طبقة عميقة ما تزال تسكن الوعي الجمعي، كندبة لا تُرى لكنها تؤلم كلما لامست تفاصيل الحياة اليومية.
منذ البداية، يبدو واضحًا أن الفيلم لا يريد أن يقول “ماذا حدث” بقدر ما يسعى إلى استكشاف “كيف عيش ما حدث”، وهذه النقلة من الحدث إلى التجربة هي ما يمنحه فرادته، وتحرّره من فخاخ السرد التاريخي المباشر.
نحن لا نتابع وقائع بقدر ما نغوص في مناخ يحاوطه إحساس عام بالاختناق على وقع حكاية تبدو بسيطة إلى حد الخداع، طفلة يكلفها المدرّس بصنع كعكة لعيد ميلاد الرئيس العراقي صدام حسين في زمن الحصار.
غير أن هذه الفرضية، في عمقها، تكثّف مفارقة وجودية قاسية فكيف يمكن لفعل احتفالي، يفترض الوفرة والفرح، أن يصبح ضرورة حتمية في سياق تحكمه الندرة والخوف؟ الكعكة هنا ليست غاية سردية، إنها علامة على اختلال العالم، ورمز لسلطة تفرض طقوسها حتى حين تنتفي شروطها
وكلما تقدّمت الطفلة في محاولاتها لصنع الكعكة ، كلما انكشفت الهوة بين المطلوب والمتاح وكأن الفيلم يبني منطقه على سلسلة من الاستحالات الصغيرة التي تتراكم لتشكّل صورة أكبر عن عبث المرحلة.
هذا البناء السردي لا يعتمد على تصاعد تقليدي يقود إلى ذروة واضحة، هو يسري على إيقاع متقطّع، أقرب إلى يوميات تتعثر في طريقها.
كل محاولة لإنجاز الكعكة ترتطم بعائق جديد، وكلما تفتّح أفق تُخيم عليه السوداويةفيتولّد إحساس بأن الزمن نفسه متواطئ مع الحصار، يعرقل، ويؤجل، ويعيد الشخصيات إلى نقطة البداية.
هذا “التأجيل المستمر” يخص الحدث ويتعداه إلى المعنى، لا خلاصات نهائية، بل أسئلة تتكاثر بهدوء، وتترك المتلقي في حالة تفكير مفتوح.
واختيار الطفلة كبؤرة للسرد ليس مجرد خيار درامي لاستدرار التعاطف، إنه رهان جمالي فبنين أحمد نايف، بحضورها غير المصقول، بل تمنح الفيلم طبقة من الصدق والعفوية بعيدا عن الأداء التقليدي.
خجلها، وارتباكها، ونظراتها التي تبدو أحيانًا كأنها تبحث عن معنى لما يحدث حولها، كلها عناصر تجعل من الشخصية مرآة لعالم لا يمكن فهمه بالكامل.
والطفولة هنا ليست رديفة براءة فقط، هي أيضًا حيرة، واصطدام مبكر بواقع أكبر من القدرة على الاستيعاب.
ومن خلال هذه الزاوية، ينجح الفيلم في أن يقول أشياء معقّدة دون أن يقع في المباشرتية، لأن ما لا تفهمه الطفلة بالكامل يصل إلى المتلقي محمّلًا بثقله.
ولا يقتصر هذا الحس على الشخصية الرئيسية، ويمتد إلى مجمل اختيارات الكاستينغ فالاعتماد على ممثلين غير محترفين يمنح الفيلم طابعا خاصا، حيث تختفي الفواصل بين الأداء والحياة.
الوجوه تبدو مألوفة، كأنها مأخوذة من الشارع، من ذاكرة جماعية أكثر منها من مخزون سينمائي، ولا توجد مبالغة في التعبير، ولا رغبة في “إقناع” المتفرج عبر تقنيات تمثيلية واضحة، مما يرسخ الميل إلى الاقتصاد.
هذا التقشّف الأدائي يتناغم مع عالم الفيلم، حيث كل شيء يبدو محدودًا، حتى المشاعر نفسها تُعبَّر بحذر، كأنها تخضع هي الأخرى لشروط الحصار.
هذا الخيار في الأداء يوازيه خيار بصري يقترب كثيرًا من الحس الوثائقي دون أن يذوب فيه. الكاميرا، في كثير من الأحيان، تبدو كأنها تلاحق الواقع بدل أن تصنعه. حركتها غير المستقرة أحيانًا، اقترابها المفاجئ، أو تراجعها البطيء، كلها تمنح الإحساس بأن ما نراه يحدث أمامنا الآن.
ومع ذلك، فإن هذا “الارتجال الظاهري” يخفي بناءً دقيقًا للصورة، حيث تُختار الزوايا والفضاءات بعناية لتخدم المعنى العام. بيئة القصب، مثلًا، ليست مجرد خلفية طبيعية، هي استعارة بصرية غنية فالقصب ينحني مع الريح دون أن ينكسر، كما يفعل الناس حين يُجبرون على التكيّف مع ظروف قاسية دون أن يمتلكوا القدرة على تغييرها.
الإضاءة الطبيعية، والاعتماد على ألوان ترابية خافتة، يعززان هذا الإحساس بالواقعية، لكنهما في الوقت نفسه يخلقان جمالية خاصة، حيث تبدو الصورة وكأنها مغطاة بطبقة خفيفة من الغبار، كما لو أن الزمن نفسه ترك أثره عليها. لا شيء لامع أو مصقول، عالم بصري ينسجم مع فكرة النقص، مع اقتصاد الوسائل الذي يفرضه الحصار. حتى الفراغات داخل الكادر، تلك المساحات التي تبدو خالية، تحمل دلالة، إذ تعكس غيابا ما، نقصا في الأشياء، وربما في الإمكانيات.
أما على مستوى الإيقاع، فيختار الفيلم أن يسير عكس ما اعتاده المتلقي من سرعة وتشويق وتطول اللقطات، وتتنفس، ليشعر المشاهد بمرور الزمن ثقيلا.
هذا البطء جزء من الرؤية إذ يعكس حالة الركود التي يعيشها المجتمع تحت الحصار، حيث تتشابه الأيام، وتفقد الحركة معناها، فيما يسعى المونتاج إلى تعميق الإحساس بالأحداث وإلى جعل المتلقي يعيش التجربة بدل أن يكتفي بمتابعتها.
وفي هذا السياق، تلعب المعالجة الصوتية دورًا أساسيًا إذ لا تهيمن الموسيقى، تترك المجال للأصوات اليومية من حفيف القصب، ووقع الأقدام، والهمسات المتقطعة.
هذه الأصوات تخلق نوعًا من الحضور الحسي للعالم بينما يتحول الصمت، بدوره، إلى عنصر تعبيري قوي، حيث يقول كل ما تعجز الكلمات عن وصفه في لحظات كثيرة، يبدو الصمت أكثر بلاغة من أي حوار، لأنه يحمل ثقل المكتوم خوفا أو عجزا.
ومن داخل هذا العالم الثقيل، تنبثق الكوميديا السوداء كآلية دفاعية، هي لا تضحك بقدر ما تُربك، تخلق ابتسامة سرعان ما تنقلب إلى شعور بالمرارة.
المفارقة الأساسية، طفلة تبحث عن مكونات كعكة في زمن ندرة، تتكرر بأشكال مختلفة، لتكشف عبثية الوضع ويواجه الضحك الواقع، بطريقة ملتوية، تسمح بتحمّله دون الانهيار. إنها سخرية ناعمة، لا تستهدف الأشخاص بقدر ما تكشف اختلال النظام الذي يضعهم في هذه المواقف.
وعلى مستوى الموضوعات، ينجح الفيلم في أن ينفتح على طبقات متعددة دون أن يفقد تماسكه.
وبعيدا عن كونه خلفية تراوح بين السياسي والاقتصادي والاجتماعي، يظهر الحصار كقوة تعيد تشكيل كل شيء من العلاقات، إلى القيم، وحتى اللغة، وتفرض الندرة منطقها، فتظهر أشكال من التكيّف قد تبدو للوهلة الأولى متناقضة، تضامن من جهة، وأنانية من جهة أخرى، ومحاولات للتمسك بالكرامة في مقابل تنازلات يفرضها الواقع.
الأخلاق نفسها تصبح منطقة رمادية، حيث لا يعود من السهل الحكم على الأفعال بمعايير ثابتة.
سياسيًا، يتخذ الفيلم موقفا ذكيا في ابتعاده عن المباشرة فهو لا يدين صراحة ولا يبرئ في المقابل يجعل السلطة كظل ثقيل كشيء غير مرئي يخز من بين التفاصيل.
والسلطة في الفيلم، منظومة، وطريقة في تنظيم الحياة، وفي فرض طقوسها حتى على أبسط الأفعال.
ومن اللافت، أيضا، قرار المخرج بعدم تحديد سنة بعينها داخل التسعينات ليحرّر الفيلم من قيد الدقة التاريخية، ويفتحه على أفق أوسع، حيث يمكن قراءة ما يحدث بوصفه حالة تتجاوز زمانا ومكانا محددين.
الزمن في “مملكة القصب” ليس تاريخا، هو إحساس، حالة يمكن أن تتكرر بأشكال مختلفة كلما توفرت شروطها. وهنا، يكتسب الفيلم بعدا كونيا، يجعله قابلًا للتلقي خارج سياقه العراقي، دون أن يفقد خصوصيته.
في “مملكة القصب” يقدّم حسن هادي فيلما أولا يحمل قدرا لافتا من النضج، لأنه يجد له لغة سينمائية مناسبة لموضوع شائك، و لا يعتمد على الصدمة أو الخطابة، ويستند إلى التفاصيل، إلى تلك اللحظات الصغيرة التي تبدو عابرة لكنها تترك أثرا عميقًطا.
في الأثناء، ، تتحول الكعكة من مجرد هدف طفولي إلى استعارة كبرى عن عالم مختل، وتتحول الطفلة من شخصية فردية إلى حامل لذاكرة جماعية، ويتحوّل القصب من عنصر طبيعي إلى رمز للإنسان حين يُجبر على الانحناء كي يستمر.