في ليلة عيد المرأة التونسية، كان حضور نبيهة كراولي على ركح قرطاج احتفاء بصوت راكم على امتداد سنوات صلته بالأغنية التونسية، من جهة، وفتح لها نوافذ جديدة على جمهور يتغير وذائقة تتبدل، من جهة أخرى.
وقبل أن يبدأ الحفل بقيادة المايسترو خالد بن عيسى، كانت أسماء نساء تونسيات من مجالات مختلفة تتوالى على الشاشة، في تحية لمن تركن أثرا في الذاكرة الوطنية، ولمن يواصلن صناعة حضورهن في الحاضر.
وعلى الركح حلت نبيهة كراولي وهي تتكئ على مشروع فني متجذر في الذاكرة الموسيقية التونسية وتنفض عنها أثر وعكة صحية داهمتها في التحضيرات وأبت أن تستثمر فيها.
وفي استهلال يتغنى بالمرأة التونسية، صدح صوتها بكلمات كتبتها ابنتها سلمى كراولي بأسلوب يجمع بين البساطة والصدق والشاعرية ويقطع مع اللغة الخشبية
وكأن الأم، في ليلة مخصصة للمرأة، اختارت أن تترك لابنتها مساحة لتقول شيئا عنها وعن المناسبة، قبل أن تتولى هي مهمة الكلام بلغتها الخاصة، لغة الغناء.
ثم جاءت الموسيقى، ولم تبن نبيهة عرضها على ذاكرة واحدة، بل فتحت أكثر من باب أمام جمهور قرطاج، تنقلت بين أعمال قديمة تحمل رائحة البدايات ودفء الذاكرة، وبين أغان أحدث أثبتت أن علاقتها بالجمهور لم تتوقف عند زمن بعينه.
كان الجمهور يعرف كيف يستقبل القديم، يستعيد الكلمات، يسبق الصوت أحيانا، ويردد ما اختزنته الذاكرة من أغانٍ ارتبطت بمراحل مختلفة من العمر.
كانت النوستالجيا حاضرة، كطاقة حيّة تستدعي الماضي إلى لحظة الحاضر.وفي المقابل، لم تكن الأغاني الجديدة غريبة عن جمهورها فقد حملتها المنصات الرقمية إلى مستمعين جدد، وحفظها الجمهور وتفاعل معها،
وهنا تحديدا تكمن إحدى نقاط قوة تجربة نبيهة كراولي.
فهي لا تختار بين الماضي والمستقبل، ولا تتعامل مع الأصالة باعتبارها إقامة دائمة في الذاكرة، ولا مع التجديد باعتباره قطيعة مع الجذور. إنها تتحرك بين الاثنين، فتستعيد ما يستحق أن يُستعاد، وتمنح الجديد فرصته في أن يصبح جزءا من الذاكرة القادمة.
في صوتها أثر الجنوب، وفي تجربتها صدى الأغنية التونسية بمقاماتها ولهجاتها وألوانها، وفي مشروعها رغبة مستمرة في ألا يتحول هذا الموروث إلى صورة محفوظة خلف الزجاج.
وعلى ركح قرطاج، ظهر هذا التوازن بوضوح، والجمهور الذي جاء ليستعيد أغاني يعرفها منذ سنوات كان، في الوقت نفسه، جاهزا للاستماع إلى أعمال أحدث وحفظها والتفاعل معها.
وبين التصفيق الذي يرافق أغنية قديمة والهتاف الذي تستقبله أغنية جديدة، كانت نبيهة تختبر المسافة بين ما تركته في الذاكرة وما لا تزال تكتبه فيها.
وكانت “بلادي” واحدة من اللحظات التي ارتفع فيها منسوب الانتماء، حين شاركها كورال سيدي سامي الغناء، فتحول المسرح إلى مساحة تتجاوز حدود العرض الفني، وتستحضر تونس باعتبارها أغنية وذاكرة ووجداناً مشتركا.
وفي “يما”، حضرت مساحة أكثر حميمية، فالأغنية التي كتبتها نبيهة قبل رحيل والدتها جاءت في عيد المرأة محمّلة بمعنى إضافي، فالأم ذاكرة شخصية تستند إليها الأغنية.
أما “مازالت يا ليام”، التي قدمتها لأول مرة في أداء حي، فقد أضافت إلى السهرة محطة أخرى بين الماضي والحاضر، مؤكدة أن بعض الأغاني تحتاج إلى المسرح كي تكتمل علاقتها بالجمهور.
ولم يكن هذا العبور بين الأغاني القديمة والجديدة مجرد تنويع في البرنامج، بل كان أشبه باختبار حيّ لمشروع نبيهة كراولي كله. فالأغنية القديمة وجدت جمهورها الذي جاء محملا بالذكريات، والأغنية الجديدة وجدت مستمعين يعرفونها من العالم الرقمي ومنصات التواصل.
وفي منطقة وسطى بين الأصالة والتجديد، تقف نبيهة كراولي التي تعرف كيف تمسك بالخيطين معا، جذورها عميقة في الأرض، لكنها لا تخشى أن تمد أغصانها نحو فضاء أوسع.
وفي زمن تتغير فيه طرق الاستماع، وتتسارع فيه دورة الأغنية، بدا حضور الجمهور في قرطاج دليلا على أن الفنان يستطيع أن يحتفظ بمكانه في الذاكرة من دون أن يصبح أسيرها. فالذين رددوا الأغاني القديمة كانوا، في اللحظة نفسها، يستقبلون الجديدة، والذين جاءوا من أجل النوستالجيا وجدوا أنفسهم أمام حاضر فني ما زال نابضا.
وربما كانت هذه هي الرسالة الأجمل التي حملتها سهرة نبيهة كراولي في عيد المرأة وهي أن الاستمرار لا يعني تكرار الذات، وأن الوفاء للجذور لا يتعارض مع البحث عن أفق جديد.
على ركح قرطاج، تركت نبيهة للغناء أن يتكلم عنها، ولم تجعل من وعكتها الصحية التي سبقت الحفل مادة للعرض، ولم تتكئ على التعب كي تستدر العاطفة، بل دخلت إلى المسرح من الباب الذي تعرفه أكثر، باب الفن.
وإلى جانبها كانت ابنتها سلمى قد وضعت الكلمات الأولى للسهرة وأختها التي ما انفكت تسندها، وأمامها كان جمهور يعرف ماضيها ويتابع حاضرها. وفي المنتصف وقفت نبيهة كراولي، فنانة تحمل ذاكرة الأغنية التونسية ولا تتردد في تجديدها.
وفي عيد المرأة بدت نبيهة صوتا يصل بين أجيال، وفنانة لا تقطع الصلة بماضيها وهي تتقدم نحو الغد، أصلها ثابت في الأرض، لكن فروعها، كما تقول تجربتها، تمتد إلى السماء.