وأنت تتهادى في الزقاق الضيق المؤدي إلى دار المدّب، تلفك ألسنة “البخور” وكأنها تقيك من أثر “البخارة”، ولا تكتفي بأن تعبر أنفك بل تتسلل إلى طبقات أعمق من الإدراك.
وفيما يعيد المكان ترتيب ذاكرته على مهل، يعلو “العجعاجي” في الأثير كستار خفيف وتتجمع الأجساد أمام الباب في حالة ترقّب، كأنها على عتبة عبور طقسي، نحو تجربة تستعيد الأزمنة وتحفر في طبقات المعنى.
عند الخامسة والنصف، ينفتح الباب ويتشرع على عدة احتمالات وينساب الداخلون إلى “الحوش” حيث لا وجود لحدود فاصلة بين الركح والجمهور في الغرض الصوتي “يا بحر يا رايس جيناك عرايس ” ضمن برمجة قابس سينما فن.
المفروشات التقليدية، والحشايا، وتوزيع الجلوس والوقوف، كل تفاصيل تخلق جغرافيا حميمة، تتقاطع فيها الأجساد وتتماهى، وتغدو الأعمار مجرد تفصيل ثانوي.
نساء ورجال، شيوخ وشباب، أطفال أيضاً، جميعهم يولّون وجوههم نحو مركز دائري غير مرئي، نحو نقطة جذب تُعيد تعريف معنى التلقي.
في قلب هذا التشكيل، تجلس آمنة معرف، لتحقق الوساطة بين عوالم مختلفة في تفردها، أمامها تتوزع خمس مغنيات يحملن في أصواتهن طبقات من تاريخ شفوي.
تقف “القوّالة” في الوسط، تطلق صوتا صافيا وممتداً، فتردّد الأخريات خلفها جملاً قصيرة، كأنهن يحكن نسيجا صوتيا جماعيا، في منطقة لا تنتمي بالكامل إلى الفولكلور، ولا تستسلم تماما للموسيقى الإلكترونية.
وفي منطقة عناق بين الاثنين، تظهر مساحة هجينة تتولّد فيها معانٍ جديدة من احتكاك القديم بالمعاصر.
يحمل العرض عنوان “يا بحر يا رايس جيناك عرايس”، الذي يتجاوز مجرد لازمة غنائية، بل مفتاح لولوج عالم من الرموز وتتجلى الأغاني، المرتبطة بطقس “التلحيح” وغسل الحناء في البحر، كأثر حي قابل للتأويل.
فالماء، في هذا السياق، ليس فقط عنصرا طقوسيا، بل ذاكرة سائلة تحمل آثار الجسد، وانعكاسات التاريخ، وارتباكات الهوية.
تتسلل الموسيقى الإلكترونية بهدوء، لا لتغطي على الأصوات، بل لتعيد ترتيبها وتتخلل الذبذبات الكلمات، وتفتح فيها ممرات صغيرة، تسمح بخروج معانٍ كانت كامنة.
في لحظات معينة، يسكن الصوت البشري إلى هذه الموجات، ثم يعاود التشكل في هيئة أخرى ويستحيل التمييز بين ما هو “أصيل” وما هو “مصنّع”، إذ يذوب هذا الفصل في تجربة حسية واحدة.
ومع تكرار الأغاني، تلك التي لا تخلو منها أعراس قابس، يحدث شيء أشبه بالانزياح، فالكلمات التي تندرج في سياق احتفالي، تبدأ في حمل دلالات أخرى.
وبعيدا عن تعبيرات الفرح أو الرغبة أو الحنين، تصبح الأغنيات حاملاً لطبقات من القهر المكبوت، ومن التوترات الاجتماعية، ومن آثار تاريخية ظلت حبيسة الصمت.
الأصوات، وهي تتوحد على نسق واحد، تخلق وهما جميلا بأنك تستمع إلى حنجرة واحدة، وإلى جسد صوتي جماعي ويظهر التصفيق كامتداد لهذا الجسد، وتنفلت الزغاريد كعلامات على بلوغ ذروة لا يمكن احتواؤها.
شيئا فشيئا، ينخرط الجمهور في هذا النسيج، كجزء من الأداء، وتتفتح الحناجر وتتمايل الأجساد، وتتلاشى الحدود بين المؤدي والمتلقي.
في الخلفية، أو ربما في العمق، يتردد صوت الموج بإلحاح، كأن البحر، الذي تمنحه الأغنية موقع المخاطَب، يصرّ على أن يكون شاهداً.
هذا الحضور المائي يضيف طبقة أخرى من القراءة، فالأغاني، التي وُلدت في تماس مع البحر والواحة والصحراء، تحمل في داخلها جغرافيا كاملة.
ومع تعمّق التجربة، تبدأ ملامح أخرى في الظهور، وتلوح خلف الإيقاع، وخلف الكلمات، وخلف التمايل الجماعي، آثار تاريخية أكثر قتامة.
حين تحتضن آمنة معرّف عودها، وتخلق نغمات توازي الأنفاس والنبضات، تنفتح فجوة في السمع، تعبر منها ذاكرة مثقلة تطل على منطقة هشة تلتقط صدى حكايات مرتبطة بالعبودية.
في الأثناء، يظهر الموروث كنسيج متشقق، يحمل في طياته آثارا من الألم والجمال على قدر سواء، وتتشكل علاقة أخرى بالصوت بوصفه ذاكرة وأداة مقاومة.
فالأغاني، التي قد تبدو في ظاهرها احتفالية، تكشف، عبر هذا الاشتغال الدقيق، عن أشكال من المقاومة الشعبية، عن وعي خفي بالتحولات البيئية التي تهدد المكان، وبالسياقات السياسية التي تضغط على الأجساد والأصوات.
وفي “الحوش”، يفقد الزمن معناه الخطي وتتشابك الأزمنة في لحظة واحدة كثيفة، ويحاكي “يا بحر يا رايس جيناك عرايس” تمرينا على إعادة الإصغاء للتراث، وتفكيكه، وإعادة تركيبه، وتركه ينفتح على قراءات لا نهائية
في هذا المزج بين التوزيع الإلكتروني والعزف الحي، بين الصوت الفردي والجماعي، بين الطقس والابتكار، يتشكل نسق جمالي خاص.