لن تفشل الأحياء الشعبية، يوما، في انتشالك من سطوة الواقع. ستأسرك بكل ما فيها من زخم وحكايات وتناقضات وأسرار وكتابات خطّها الأطفال على الجدران.
في هذه الأحياء تتخذ الحياة وجوها كثيرة تحاكي الملامح التي خطّت عليها الأيام أثرها، والثنايا التي حفرت فيها سنوات التهميش والوصم علامات يصعب محوها.
وحيّ هلال امتداد لهذه الحيوات التي تتشكّل في تفاصيل يد ميكانيكي موشّحة بشحم السيارات، وابتسامة امرأة بلغت من الكبر عتيا لكنها حافظت على مدى زغرودتها، وصوت شاب يعرض العون على الوافدين على حيه، ونظرات طفل تعانق السماء.
في هذا الحي الذي أثقلته الوصوم والأحكام المسبقة وفصول التهميش، اتخذ وجها آخر
وكأن الأزقة التي اعتادت أن تكون مجرد ممرات، قررت أن تغيّر وجهتها وأن تأخذ منحًى مغايرا.
لم يكن الأمر مجرّد مهرجان حلّ في المكان ثم غادره، بل بدا كأن الحي نفسه قرر أن يروي قصته بطريقة مختلفة. ومع مهرجان حي هلال الحضري لم تعد الأزقة طرقا بين البيوت، بل تحولت إلى فضاءات للقاء، وصارت الواجهات شاشات، والحيطان دفاتر مفتوحة، والبيوت منصات صغيرة تستقبل الفن وتعيد تعريفه.
منذ اللحظات الأولى، كان واضحا أن نجاح التظاهرة لا تصنعه البرمجة وحدها، بل تلك اللحمة التي تشكّلت بين فريق المهرجان وأبناء الحي. لم يكن هناك فصل حاد بين المنظمين والسكان، ولا شعور بأن الثقافة جاءت من الخارج لتمنح المكان شرعية مؤقتة. مل حدث أقرب إلى منطق العائلة الواحدة، كل شخص وجد لنفسه دورًا، وكل تفصيل بدا وكأنه جزء من المشهد العام.
في الأزقة كان الأطفال منتشين لأنهم يعرفون أن ما يجري يخصهم بدرجة أولى، والشباب يساعدون في التنظيم والإرشاد، ونساء الحي يفتحن الأبواب والابتسامات معًا، ومن اعتادوا متابعة الحياة من العتبات، صاروا جزءًا منها.
وفي منطقة “الكوانين”، حيث تصنع النساء الكانون من الطين بكل تفاصيله الخام، لم غادرت الحرفة القديمة حدودها اليومية. المكان الذي يحمل آثار الأيدي والطين والنار، شهد لقاءً بدا مستبعدًا للوهلة الأولى لكنه كان شديد الانسجام: DJ يعيد تركيب الإيقاعات الحديثة، وطبّال وزكّار يفتحان الباب أمام الذاكرة الشعبية.
اختلط الإيقاع الإلكتروني بخشونة المكان، وارتفع الدخان مع البخور، وتعالت الزغاريد والرقص، في استعادة طبيعية للفرح داخل فضاء توشحه جمالية الشقاء.
كان المشهد يختزل فكرة أن الثقافة لا تأتي دائمًا في هيئة قاعات مكيفة ومقاعد مرقمة، أحيانًا تأتي وسط الطين، وعلى وقع الطبل، وتحت سماء مفتوحة.
وفي مستودع المغول، حيث تُربّى الأكباش وتعيش الحياة اليومية بإيقاعها المعتاد، دخلت الصورة إلى مكان غير معتاد للعرض لتعيد النظر في معنى المكان نفسه. بين الجدران، وداخل تفاصيل الحياة اليومية، ظهرت الوجوه وكأن الحي يعيد اكتشاف نفسه من الداخل.
أما بورتريهات أطفال الحي التي زيّنت الحيطان، فكانت من أكثر تفاصيل المهرجان شدا للأنظار. الأطفال الذين غالبًا ما يظهرون في الخطابات العامة كأرقام أو خلفيات، صاروا هنا في الواجهة، وجوههم تحتل الجدران، ضحكاتهم، وارتباكهم، ونظراتهم المباشرة إلى الأفق…
كل التفاصيل مجتمعة تشكل ملامح إعلان هادئ مفاده “نحن هنا، ولسنا مجرد تفاصيل هامشية في صورة أكبر.”
حتى تفاصيل الحياة اليومية التي قد تبدو عادية دخلت المشهد، بائع الخضار والميكانيكي والحلاق صاروا جزءا من المشهد وصلرا محلاتهم امتدادا التظاهرة.
المهن، والروائح، والأصوات، والعابرون، والأبواب المفتوحة، كل ذلك دخل في نسيج الحدث دون افتعال، وهو ما يشكل فرادة التجربة.
فما حدث في حي هلال لا يبدو محاولة لتجميل الواقع أو إخفاء صعوباته، بل محاولة لرؤيته من زاوية أخرى، باعتباره فضاءً يملك ما يكفي من الحياة كي ينتج ثقافته الخاصة.
لأيام معدودات، تحولت الأزقة إلى مساحة للرقص والكلام والدهشة. وصار السؤال أقل ارتباطًا بمن يصنع الثقافة، وأكثر ارتباطًا بمن يملك الحق في الظهور، واستطاع حيّ هلال ، لعشرة أيام، أن يقدّم وجها آخر لنفسه… وجها كان موجودا دائما، لكنه وجد أخيرا من ينظر إليه.
*الصورة من صفحة المهرجان