2
بقلم : رانيا الحمامي*
اعترف أن قراءتي لن تكون موضوعية لهذا الكتاب. فقد أدمعت مقلتاي وأنا أقرأ ما كتبه حسن بن عثمان عن الإسلام والمسلم، إذ أحسن التعبير عن إيماني وما يكون من إيمان المسلمين. لقد استشعرت إيمانا، وتبينت إسلاما نقيا روحيا لم أقرأه في كتب الإخوان. وهذه اللحظات التي يتوقف فيها القارئ عن مساءلة الكاتب هي أمتع اللحظات في تناول المحتوى.
لقد مات بن علي
«لقد مات بن علي»، صدح بها حسن بن عثمان مباشرة في التلفزة الوطنية، قبل رحيل الرئيس السابق وهو في سدة الحكم. جرأة عندما تقال حينها لا يقدر عليها إلا مجنون أو من لم تكن حريته وحياته تعنيان له شيئا ومستعدا للمجازفة بهما؟ ومع ذلك، لم تعفه تلك اللحظة من أن يصنفه الرئيس “الحقوقي”، بعد 2011، في كتابه الأسود سوادا يشبه سواد الأعلام التي رفعت في البلاد بإسم الخلافة، مواليا للنظام السابق، وان كان بشكل هامشي، فيما جعل التلفزي نبيل القروي يظنه غواصة للنهضة، سببا رٱه كافيا للاستثمار من حضوره في قناته بعد 2011، وحين استفاق واكتشف أن ظنه إثما، استبعده. هكذا فهم حسن بن عثمان وحدث عنه في كتابه.
في “حكايتي مع العشرية السوداء” مفارقات مضحكة. أقهقه بين الفينة والأخرى وأنا أطالع الكتاب، وأتساءل إن كانت احدى اسباب فشل السياسة في تونس هو سوء التقدير، أم أن حسن بن عثمان يملك موهبة نادرة في أن يكون موضع شبهة لدى أطراف لا تتفق حتى على الشبهة نفسها.
لقد صار كاتبا
ومن المضحكات المبكيات أن يتم الاعتراف بحسن بن عثمان كاتبا في أروقة المحاكم، فيسعد الكاتب بذلك، حال من اختار أن ينظر إلى النصف الممتلئ من الكأس، فيوظفه، وهكذا كان حاله على الدوام. فالاعتراف بمشروعيته في الكتابة أتى من المحكمة وهي تنظر في مصادرة مجموعته القصصية فوجدت نفسها مضطرة إلى الاعتراف بصاحبها.
هذه الإيجابية في ذهنية حسن بن عثمان آتت أكلها وأثمرت نفسا للمقاومة والنضال. إيمان غير مرئي وغير معلن جعل الاستمرار ممكنا، مهما كانت الأوضاع والظروف والتقلبات والخيانات كما يعتبرها الكاتب الذي كان كبش الفداء مرارا، حسب تعبيره.
من سيكون الرئيس ؟
هامشية حسن بن عثمان، كما بدت لي وأنا أطالع الكتاب، هي هامشية أغلب الشعب التونسي، بل إن مركزيته أيضا هي مركزية أغلبه. ذلك الشعب الذي يظن، مع كل تغير في حاله، أنه امتلك الدنيا وما فيها، حتى يتحول في مجتمعنا الممرض طبيبا، والتقني مهندسا وغير ذلك كثير، وهم يتحدثون عن أنفسهم. ولو دققنا لوجدنا انه ليس الأمر من الكذب في شيء، بقدر ما هو استشعار الأنا لعظمتها وثقة بالنفس لا تضاهيها ثقة. هذه الثقة، في مركزية بن عثمان، مع اختلاطها بحبه لتونس وحيرته عليها، دفعته ليبحث عن رئيس للبلاد وهي في أوج أزمتها، «كما لو أنني أكتب رواية وأوزع فيها الأدوار»، كما كتب. ويضيف انه كان ” جادا جدا في البحث عن رئيس للبلاد” ( صفحة 141), وهنا لا أملك إلا أن أبتسم: فالكاتب الذي خبر الهامش والمركز، والذي عرف كيف يمكن أن يُستبعد المرء في”ثلاجة”، يجد نفسه يبحث عن رئيس للدولة التونسية، بل وتفنن في البحث، باستغلال برنامج تلفزي له. وهي في الحقيقة، حيرة كل تونسي مهتم بالشأن العام خاصة خلال الأزمات، لكن حيرة بن عثمان جعلته في شبه تصديق انه هو من سيعين الرئيس.
النخبة …أو ما سعى الخليفة الى ترذيلها بمصطلح النكبة
حسن بن عثمان يهدم الصورة النمطية للنخبة، حتى في تعريفه لها خلال صفحات الكتاب فهو لا يستند إلى الشهائد ولا يجعلها معيارا للجدارة، بل يربط النخبة بالاجتهاد في المعرفة وبالإنتاج اللافت للانتباه. أما خروجه عن النمط، فهو في الحقيقة جزء من نمط التونسيين أنفسهم، حتى أولئك الذين كان المصعد الاجتماعي وسيلتهم إلى المركز. فالشعب التونسي، وإن اعتقد أنه خرج من النمط، يكتشف أن خروجه نفسه جزء من النمط.
أن الذين حملهم المصعد الاجتماعي إلى المركز يعلمون أن طريق العودة الى الهامش الذي جاؤوا منه سهل جدا فحتى حين جعل بورقيبة المركز يتسع لكل التونسيين مؤمنا بـ«المادة الشخمة» والشهائد ومراهنا على قدرة المجتمع على إنتاج مكانة جديدة لأبنائه، كانت بعض القرارات ، أحيانا ادارية متأتية من فرد أو مجموعة أفراد تختلف دوافعهم، قادرة على أن تعيده الى الهامش. ويبقى الساعي يتأرجح بين المركز والهامش تدفعه الأقدار كأنه في ارجوحة لا بقاء له في مكان واحد. وربما هنا تكمن إحدى مفاتيح قراءة حسن بن عثمان: ليس كل من وصل إلى المركز قد غادر الهامش نهائيا وليس كل من بقي في الهامش عجز عن إنتاج ما يستحق الاعتراف، رغم ما ذكره الكاتب من “الاحتقار المتبادل بين المركز والهامش” (صفحة 31)
وكما صرحت منذ البداية، وأنا أكتب هذه القراءة، لا أستطيع ادعاء الموضوعية. فقد وجدت نفسي مرات عديدة في هامش حسن بن عثمان وفي مركزه، وإن اختلفت التجارب. ولن أكون موضوعية أيضا وأنا التي عايشت الأحداث التي يتناولها الكتاب، وحاولت أن أفهم ما يدور حولي، وكيف يمكن إنقاذ وطن من براثن السواد. فبعض الكتب بقدر ما تستدعي الذاكرة فهي تعيد القارئ إلى نفسه، إلى ما رآه وما خشيه وما عجز عن ايجاد حل له في حينه.
حين تقرأ ” حكايتي مع العشرية السوداء: من الهامش الى المركز الى الهامش”، لن تتفق ربما مع الكاتب في الرؤى، ولا تجتمعان ربما في العوالم نفسها، لكن كن متأكدا أنكما ستجتمعان في الهامش أو في المركز، وربما في الاثنين معا.
* كاتبة وروائية.