23
بقلم : رانيا الحمامي*
في الثالث عشر من أوت، تحتفل تونس بلحظة تاريخية من لحظات تأسيس الدولة الحديثة، لحظة أعادت فيها تونس تعريف علاقتها بالمرأة والأسرة والمجتمع والدولة. تمر هذه السنة سبعون عاما على صدور مجلة الأحوال الشخصية، سبعون عاما على لحظة تشريعية جعلت من المرأة التونسية كيانا له من الحقوق ما يجعله ليس مجرد طرف تابع داخل مؤسسة الأسرة بل فتحت أمام المجتمع كله بابا جديدا لفهم الزواج والطلاق والنسب والأسرة والمسؤولية.
مجلة الأحوال الشخصية: مشروع ريادي لدولة الاستقلال
صدرت مجلة الأحوال الشخصية في اللحظة التي كانت فيها الدولة التونسية الخارجة لتوها من الاستعمار بصدد بناء مؤسساتها وصياغة صورتها الحديثة، فلم تكن المجلة مجرد مجموعة من الأحكام المتعلقة بالأسرة بل كانت مشروعا لإعادة تنظيم الحياة الاجتماعية على أساس قانوني جديد يليق بالتونسيات اللاتي ساهمن بشكل واضح في إستقلال تونس. وتكشف المجلة تكشف عن روح إصلاحية عميقة، حيث استفادت من مصادر الشريعة المختلفة، وعن ملاءمة النصوص للعصر، وعن تضييق الأحكام المتعلقة بالطلاق بما يضمن حقوق الزوجة، وعن تحديد سن الزواج، وعن الأخذ برأي بعض علماء الإسلام في عدم إباحة تعدد الزوجات. وهذا التفصيل التاريخي مهم جدا اليوم، لأن البعض يحاول تقديم مجلة الأحوال الشخصية وكأنها قطيعة مع المرجعية الثقافية والدينية للمجتمع التونسي، في حين أن الوثائق الرسمية تؤكد أن الإصلاح التونسي لم يبن نفسه على تجاهل الجانب الديني وإنما على إعادة قراءته واختيار ما يراه المشرع أكثر ملاءمة للمصلحة الاجتماعية ولظروف العصر.
ولذلك فإن قيمة مجلة الأحوال الشخصية لا تكمن فقط في الفصول التي تضمنت منع تعدد الزوجات أو تنظيم الطلاق، وإنما في الفلسفة التي تقف خلفها: القانون يمكن أن يكون أداة إصلاح اجتماعي، ويمكن للدولة أن تتدخل لتعيد تنظيم علاقة كان الحكم عليها يرتبط بموازين القوة داخل الأسرة. ووصفت المجلة بأنها من أبرز أعمال الدولة بعد الاستقلال.
هل يقام طريق الإصلاح على التقهقر ؟
لكن سبعينية عيد المرأة هذه السنة و السنوات الأخيرة تأتي مختلفة. فتأتي الذكرى التي يفترض أن تكون مناسبة للاحتفاء بمسار طويل من الإصلاح، في ظل عودة أصوات تطرح أسئلة ظن كثيرون أن تونس قد تجاوزتها، وفي مقدمتها الدعوات إلى مراجعة مجلة الأحوال الشخصية، وإعادة فتح النقاش حول تعدد الزوجات، ومحاولات تغيير طبيعة الطلاق وإخراجه من الإطار القضائي، مستخدمين الأزمة الديمغرافية والاجتماعية لتبرير مراجعات قد تمس جوهر بعض المكتسبات.
وهنا يصبح الاحتفال بعيد المرأة التونسية مختلفا لأن السؤال لم يعد: ماذا حققت تونس للمرأة منذ 1956؟ بل أصبح هل تستطيع تونس بعد سبعين سنة، أن تحمي ما حققته، وأن تطورهض دون أن تسمح بأن يتحول الإصلاح إلى طريق للرجوع؟
نقل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الى معركة جانبية وهمية
تعيش تونس منذ سنوات أزمات حقيقية كارتفاع كلفة العيش وصعوبة السكن وهشاشة التشغيل وهجرة الشباب والكفاءات وانعكس عنه تأخر الزواج وتراجع نسبة الولادات وتغير عميق في بنية الأسرة. و تحتاج هذه الأزمات المعقدة إلى تنمية اقتصادية وسياسات اجتماعية وديمغرافية طويلة النفس ومخطط واضح للنهوض.
ولهذا تحديدا تصبح مجلة الأحوال الشخصية قضية مغرية سياسيا، لأن النقاش حولها يسمح أحيانا بالابتعاد عن الأسئلة الأكثر تعقيدا والأشد كلفة في معالجتها. فالمجلة تتجاوز النص القانون منذ عقود وتحولت إلى قضية رمزية تختزن داخلها أسئلة تمس الأسرة والدين والحداثة والهوية، وإلى ما يُقدم أحيانا باعتباره حقوقا للرجل في مقابل حقوق للمرأة. فالحديث عن «إنصاف الرجل» أسهل من إصلاح سوق الشغل، والحديث عن «النفقة» أسهل من مواجهة أزمة علاء المعيشة وأزمة السكن وارتفاع كلفته، وربط تراجع الولادات بقانون الأسرة أسهل من مواجهة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي جعلت تكوين الأسرة نفسها أكثر صعوبة بالنسبة إلى جيل كامل. وهذا لا يعني طبعا أن كل من يدعو إلى مراجعة مجلة الأحوال الشخصية تحركه حسابات سياسية ولا أن كل نقاش حولها يفتقد الجدية. لكن من الضروري ألا نكتفي بقراءة الخطاب وأن ننظر أيضا إلى الوظيفة التي يؤديها هذا الخطاب داخل النقاش العام لنفهم كل الخلفيات الممكنة، في مجتمع يعاني من قدرته على الانفاق على أطفاله معلنا ان تغيب الرجل على دفع “النفقة القانونية” يسجن فينتقد المجلة التي تفرض عليه ذلك وفي نفس الوقت يفتح نقاشًا للزواج بثانية. تضارب يدعو إلى التروي لفهم ما يدور.
فعندما يتم فتح النقاش حول مراجعة مجلة الأحوال الشخصية كلما ظهرت أزمة اجتماعية، يصبح السؤال: هل نحن أمام محاولة فعلية لفهم أسباب المشكلة ومعالجتها، أم أننا نبحث عن قضية رمزية نضع عليها عبء مشكلة أكثر تعقيدا من أن يحلها تعديل قانون في مجلة الأحوال الشخصية.
ومن بين الأمثلة الأكثر وضوحا في ذلك، والتي تحتاج إلى قدر من الهدوء لفهمها، هو تقديم تعدد الزوجات باعتباره الحل للأزمة الديمغرافية. فالرجل الذي يجد اليوم صعوبة في إعالة أسرة واحدة وتأمين حاجاتها الأساسية وتحمل أعبائها الاقتصادية والاجتماعية، لن يصبح بمجرد تغيير القانون أكثر قدرة على إعالة أسرتين، ونفس الشيء بالنسبة الى المرأة التي تؤجل الإنجاب لنفس هذه الظروف. وكذلك الشاب الذي يرى البطالة وارتفاع تكاليف الحياة أمامه، ويجد أن الزواج نفسه أصبح مشروعًا يحتاج إلى إمكانات لا يملكها، لن يصبح أكثر استعدادًا للزواج لأن عدد الزيجات التي يمكن للرجل أن يعقدها قد أصبح أكبر.
إذا كان الهدف فعلا هو معالجة تراجع الخصوبة فإن السؤال الحقيقي يجب أن ينطلق من سؤال آخر: كيف نجعل تكوين الأسرة ممكنا ومستقرا؟ كيف نوفر السكن، والعمل، والحضانة، والخدمات الاجتماعية، والحماية الاقتصادية، والحماية النفسية والأخلاقية وكيف نعيد التوازن بين الحياة المهنية والحياة الأسرية بحيث لا يكون الزواج و الإنجاب قرارا محفوفا بالخوف من المستقبل؟
فالأزمة في جوهرها هي أزمة مجتمع أصبح فيه عدد متزايد من الشباب يجد صعوبة في بناء أسرة واحدة مستقرة أمام كل الضغوطات المتنوعة التي يعيشها.
يجب ان ألا نسمح للبعض استغلال خلفيات ايديولوجية محدودة بأن ينقلنا من السؤال الحقيقي لحل أزماتنا إلى سؤال آخر أكثر سهولة في النقاش وأكثر إثارة في الخطاب لكنه لا يقترب في الخقيقة من أصل المشكلة. فالفرق بين السؤالين ليس تفصيلًا، وإنما هو الفرق بين أن نبحث عن معالجة فعلية للأزمة، وأن نبحث عن عنوان نحمله مسؤوليتها لمعركة ايديولوجية كانت خاسرة على الدوام أو لهروب من حل الأزمات الحقيقية للشعب.
*روائية ومهندسة وناشطة تونسية