تستعد مدينة سوسة الى احتضان حدث فني استثنائي، حيث ستتحول فضاءات المتحف الأثري بين 23 و26 أفريل إلى مختبر مفتوح للإبداع تحت عنوان “خزاف المتحف”. هذا الحدث الثقافي البارز الذي سيجمع نخبة من كبار الفنانين والأكاديميين المتخصصين، يطمح إلى صياغة مشهدية بصرية تجمع بين صرامة التقنيات التاريخية وجرأة الابتكارات المعاصرة.
ستنطلق أولى فعاليات هذه التظاهرة في دورتها الأولى يوم الخميس، حيث سيكون “فن العمارة” هو المحور الأساسي للورشات. ومن المنتظر أن يجد المشاركون أنفسهم في مواجهة تحديات تقنية مثيرة تحت إشراف خبراء دوليين. حيث سيتم استحضار سحر تقنية الـ Raku اليابانية، واختبار كيمياء الحرق في تقنيات بديلة مثل Paper Kiln و Sugar Firing. ولن تتوقف الرحلة عند حدود التشكيل، بل ستمتد لتشمل فنون التزيين الدقيقة “تحت وفوق المينا”، في تجسيد حي لتلاقح المدارس الفنية وتعدد الرؤى الجمالية.

وفي خطوة تعزز البعد الوجداني للتظاهرة، سيعيش زوار قصر الرباط الأثري تجربة بصرية غامرة مع افتتاح المعرض الجماعي للخزف الفني. هذا المعرض لن يكون مجرد عرض للمنحوتات، بل هو حوار صامت بين الحجارة التاريخية الصامدة والقطع الخزفية التي تنبض بالحداثة، مما يخلق جسراً زمنياً يربط عراقة الماضي بتطلعات الحاضر.
في الجانب الفكري من الحدث، سيحتضن المتحف يوم السبت نقاشاً معمقاً من خلال مائدة مستديرة يقودها الأستاذ فاتح بن عامر والأستاذة سناء الجمالي أعماري. وسيركز هذا اللقاء على تشريح واقع “الخزف المعاصر في تونس”، مع طرح تساؤلات جوهرية حول كيفية الصمود أمام التحولات العالمية وضمان مواكبة الحركات الفنية الدولية، دون التفريط في الهوية المحلية الأصيلة.
وستستقبل القاعة الحسينية بمتحف سوسة يوم الأحد نتاج تلك الورشات المكثفة. هذا العرض الختامي لن يمثل نهاية الرحلة، بل سيكون بمثابة إعلان ميلاد لمشاريع فنية جديدة، وتأكيداً متجدداً على أن الخزف التونسي كائن حي يتطور باستمرار، وقادر على تحويل “حفنة من الطين” إلى لغة عالمية تخاطب الوجدان الإنساني.
“خزاف المتحف” ليس مجرد ملتقى تقني عابر، بل هو استثمار في الجمال كفعل مقاومة ثقافية، وصرخة إبداعية تجعل من سوسة وجهة عالمية لعشاق “فن الأرض” والتجديد الحضاري.