بقلم رانيا الحـمّـامي
أدب الرحلة، في جوهره، ليس تسجيلًا ووصفًا لما تقع عليه عين المسافر من مدن ومناظر، بل هو كتابة تنقل أثر الرحلة في الإنسان، وتحول التجربة الشخصية إلى معرفة مشتركة. ومن هذا المنطلق، يأتي كتاب «على عتبة الشرق: رحلة طالب تونسي في إندونيسيا» ليقدم تجربة تتجاوز حدود الرحلة التقليدية، فلا يجعل من إندونيسيا مجرد فضاء جغرافي، وإنما فضاءً إنسانيًا وحضاريًا يُقرأ ويُفهم، ومن السفر وسيلة لاكتشاف الذات بقدر ما هو اكتشاف للآخر وتمثيل للوطن.
فمنذ الصفحات الأولى، يدرك القارئ أنه أمام عمل لا يقوم على سرد الوقائع بقدر ما يقوم على بناء الوعي. إذ تنطلق الكاتبة من تجربة الابتعاث الدراسي لتجعل منها رحلة في الأخلاق والمعرفة، وتجربة في إعادة تشكيل الإنسان من الداخل. وهنا تتجلى إحدى أهم خصائص هذا الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتوثيق إقامة طالبة تونسية في إندونيسيا، وإنما يحول تلك التجربة إلى تأمل في معنى السفر، والانتماء، والتعلم، والاختلاف، والتعارف بين الشعوب.
والملفت للانتباه منذ البداية البناء الفكري الذي اختارته الكاتبة لفصول كتابها؛ فهي لا تبدأ بوصف المدن أو الحديث عن تفاصيل الحياة اليومية، وإنما تفتتح كتابها بفصول تحمل عناوين ذات دلالات عميقة، مثل: «من الامتحان إلى العهد: حين تتحول المنحة إلى مسؤولية»، و«البعد الأخلاقي: تمثيل الوطن بوصفه سلوكًا لا شعارًا»، و«البعد الدراسي: التميز بوصفه واجبًا لا ترفًا»، و«البعد الاجتماعي: الحضور الراقي بين ثقافتين». وهي عناوين تكشف منذ البداية أن الرحلة الحقيقية بدأت قبل الوصول إلى إندونيسيا، وأن الانتقال الجغرافي لم يكن سوى المرحلة الأخيرة في رحلة أعمق بدأت داخل الإنسان نفسه.
ويؤكد الكتاب أن السفر لا يُختزل في عبور الحدود، وإنما يتجسد في اتساع الرؤية، ونضج الوعي، وقدرة الإنسان على اختبار ذاته في مواجهة الآخر. كما يبرز أن الوطن يُترجم في سلوك المسافر، وعلمه، ورقيه، وحسن حضوره بين الناس. فالوطن في الغربة هو الأخلاق والانضباط والاحترام، لينتقل مفهوم الانتماء من دائرة الخطاب إلى دائرة الممارسة، ويصبح كل تصرف يصدر عن الإنسان في الغربة صورةً لوطنه.
ولذلك، لا تنظر الكاتبة إلى المنحة الدراسية بوصفها امتيازًا شخصيًا، وإنما تعتبرها عهدًا ومسؤولية. فالتفوق العلمي في هذا الكتاب ليس غاية مستقلة، ولا وسيلة لإثبات الذات، بل هو استجابة أخلاقية للثقة التي منحتها الدولة والجامعة، ووفاء للصورة التي يحملها الطالب عن وطنه. وهكذا يتحول الاجتهاد إلى قيمة أخلاقية، ويصبح الإنجاز العلمي وجهًا من وجوه تمثيل الوطن.
كما يبرز «على عتبة الشرق» للدكتورة ناهد بنسيدهم الكيفية التي تعالج بها قضية الاختلاف الثقافي. فهي لا ترى في الاختلاف تهديدًا للهوية، ولا تدعو إلى الذوبان في الآخر، وإنما تؤسس لفكرة الاندماج الواعي؛ اندماج يحافظ فيه الإنسان على جذوره، دون أن يغلق أبوابه أمام العالم. ويقدم الكتاب درسًا رفيعًا في التعارف الحضاري، جاعلًا من الإنسان جسرًا بين الثقافات، لا خصمًا لإحداها، ولا استنساخًا للأخرى.
ولا تقرأ ناهد بنسيدهم المجتمع الإندونيسي بعين السائح الذي يبحث عن الطريف والعجيب، بل بعين الباحثة التي تحاول فهم الأسباب التي أنتجت هذا المجتمع، والقيم التي تنظمه، والرؤية التي تحكم علاقته بالدين، والتعليم، والعمل، والتعددية.
ويزداد هذا وضوحًا حين ينتقل الكتاب إلى الحديث عن الحياة الجامعية، ثم عن الثقافة الإندونيسية، والعادات والتقاليد، والمدن التي زارتها الكاتبة، والحيوانات والنباتات، والمطبخ، واللغة، والأساطير الشعبية، وتعايش الأديان، وخصائص المجتمع. فهذه الموضوعات لا تأتي في صورة معلومات متناثرة، وإنما تنتظم داخل رؤية واحدة تسعى إلى فهم المجتمع الإندونيسي من داخله، وربط مظاهره المختلفة بخلفياتها الحضارية.
ومن أكثر الفصول دلالة ذلك الفصل الذي تناول اللغة الإندونيسية؛ إذ تلفت الكاتبة النظر إلى دورها في بناء الوحدة الوطنية داخل أرخبيل يضم مئات اللغات واللهجات، في الوقت الذي احتفظت فيه اللغات المحلية بوظيفتها بوصفها وعاءً للذاكرة الثقافية. ومن خلال هذه الملاحظة يفتح الكتاب بابًا للتأمل في إمكانية الجمع بين الوحدة والتنوع، وبين الهوية الوطنية والخصوصيات الثقافية، وهي قضية تتجاوز حدود إندونيسيا لتصبح سؤالًا حضاريًا عامًا.
كما نجحت الكاتبة في تقديم صورة متوازنة عن إندونيسيا، فلم تجعلها مدينة فاضلة تخلو من النقائص، ولا فضاءً غريبًا يثير الدهشة لذاته، وإنما مجتمعًا حيًا له منطقه الخاص، وتجاربُه، وتناقضاته، وإنجازاته. ولهذا لا تتوقف الكتابة عند حدود الوصف، بل تحاول تفسير الظواهر وربطها بسياقاتها الاجتماعية والتاريخية، وهو ما يمنح العمل قيمة معرفية تتجاوز كثيرًا من كتب الرحلات التي تكتفي بتسجيل الانطباعات.
ومن الجوانب اللافتة كذلك أن الكاتبة لا تكتفي بسرد ما اكتسبته من معارف عن البلد، بل تتوقف عند التحولات التي أحدثتها الرحلة في شخصيتها، فتتحدث عن مكاسبها المعرفية، والتواصلية، والذهنية، والاجتماعية، والروحية. وهنا تبلغ الرحلة ذروتها؛ إذ يتحول السفر من انتقال في المكان إلى إعادة بناء للإنسان، ومن اكتشاف للعالم إلى اكتشاف للذات.
وبهذا يتحول الكتاب إلى نص تربوي بقدر ما هو نص أدبي؛ فهو يرسخ لدى قارئه جملة من القيم، منها احترام الوقت، والانضباط، وحسن إدارة التعلم، والقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء العلاقات الإنسانية، والإيمان بأن الهوية لا تقوى بالانغلاق، وإنما تنضج بالاحتكاك الواعي بالآخر. وهي رؤية تمنح هذا العمل بعدًا يتجاوز التجربة الفردية ليصبح رسالة موجهة إلى كل طالب، وكل مسافر، وكل من يرى في السفر وسيلة للنمو الإنساني.
وهكذا ينجح «على عتبة الشرق» في تحويل الرحلة إلى معرفة، والمشاهدة إلى تأمل، والتجربة الشخصية إلى رسالة إنسانية. فلا يغادر القارئ صفحاته حاملًا صورة عن إندونيسيا فحسب، بل يغادرها وهو يعيد التفكير في معنى السفر، والانتماء، والهوية، والحوار بين الثقافات.
هذا الكتاب لا يفتح نافذة على الشرق وحده، بل يفتحها على الإنسان نفسه، ويؤكد أن الرحلة الحقيقية لا تُقاس بعدد البلدان التي نزورها، وإنما بمقدار ما نعود به من وعي، وما نكتسبه من قدرة على فهم العالم، وفهم ذواتنا، والعيش مع الآخرين في احترام.
* كاتبة وروائية www.raniahammami.tn