لم يعد الموت في تونس يحتاج إلى رصاصة، ولا إلى انفجار، ولا حتى إلى خصم واضح الملامح. يكفي حائطٌ متعب، ومتآكل، ومنسيّ، ليؤدي المهمة كاملة. حائطٌ يعرف الجميع أنه مهدّد بالسقوط، لكن أحدا لا يسمع صريره الداخلي وهو يستعد للانهيار.
في المزونة في ولاية سيدي بوزيد سقط تلميذ تحت حائط معهد ابن حزم المتداعي، واليوم، في تبرسق من ولاية باجة يتكرّر المشهد ليخط فصلا آخر في التراجيديا تلميذ آخر يفقد حياته تحت حائط تابع للإدارة الجهوية للفلاحة.
اختلاف الجهة لا يغيّر جوهر المأساة، فالمكان واحد في رمزيته: فضاء عمومي، يفترض أن يكون آمنا، فإذا به يتحوّل إلى فخّ قاتل.
وهذه الحوادث ليست ضربا من القدر الأعمى، بل هي نتيجة سلسلة طويلة من الإهمال المتراكم، ومن القرارات المؤجّلة، ومن التقارير التي لم تُنجز، ومن الميزانيات التي وُضعت في غير موضعها.
الجدار، هنا، لا يسقط فجأة، إنه يتهاوى ببطء، سنة بعد أخرى، شقّا بعد شقّ، إلى أن يختار جسداً هشّاً ليسنده في سقوطه الأخير.
ما يحدث هو شكل من العنف الصامت، عنف بلا صراخ، بلا مشاهد درامية، لكنه عنف منظّم، تشارك فيه الإدارة حين تغضّ الطرف، وتشارك فيه السلطة المحلية حين تكتفي بالمراسلات، وتشارك فيه الدولة حين تجعل السلامة آخر سلّم الأولويات. والنتيجة دائماً واحدة: طفل يدفع ثمن ما لم يرتكبه.
المؤلم ليس فقط موت تلميذ سقط عليه سور مؤسسة عمومية، بل مراكمة هذه الحوادث في أرشيف الفواجع حد التطبيع مع فكرة أن المدرسة قد تقتل، وأن الإدارة قد تقتل، وأن كل طرق الحياة اليومية تؤدي إلى الموت.
ومع كل حادثة، تقفز المفردات نفسها : فتح تحقيق، وتحميل المسؤوليات، اتخاذ الإجراءات اللازمة، ولكن أيا من هذه المفردات تعيد طفلا إلى حضن أمه، أو تمحو صورة محفظة مدرسية بقيت بلا صاحب.
فالمفردات وحدها لا تكفي، حين تكون منفصلة عن الفعل، وحينما تتهاطل الأسئلة عن معنى المواطنة وعن العدالة، وحدها هذه المآسي تكشف هشاشة العقد الدولة ومواطنيها.
وسقوط الجدران المتكرر، يحيل بالضرورة إلى سقوط منظومة لا تحتاج إلى لجان تحقيق؛ بل تحتاج إلى مراجعة أخلاقية شاملة، تعيد للإنسان قيمته، وللحياة قدسيتها.
إلى أن يحدث ذلك، سيظل الحائط في تونس مشتبها به دائما.
وسيظل السؤال معلّقا فوق رؤوسنا جميعا : من القادم؟